|

































| |
|
رأي |
"خارطة الطريق" الثانية والموقف منها
منير شفيق
عندما أُعلنت "خارطة الطريق" على الضدّ ممّا حدث مع إعلان "اتفاق أوسلو"، لم
يأخذها أحد بجدية، واعتُبرت مجرّد غطاء لتمرير مشروع العدوان ضدّ العراق. ولهذا
لم تناقَش بنودها إلا مناقشة عابرة، لأن الاهتمام كلّه كان مركّزاً على موضوع
ما يُعدّ من عدوان على العراق، باعتبار أنه سيكون المقرّر لمصير "خارطة الطريق"
على ضوء ما سينشأ من ظروف وموازين قوى إقليمية وعربية بعد ذلك.
وبالفعل هذا ما حدث، إذ صُمّمت "خارطة الطريق" لتكون طعماً من أجل ابتلاعها
فلسطينياً وعربياً -وبصورة خاصّة رسمياً- للعدوان. والدليل أنها وُضعت على الرف
بعد أن أُخذت الموافقة الفلسطينية الرسمية عليها، وكذلك فعلت عدّة دول عربية،
ومن ثمّ لم تواجه هذه الموافقة بمعارضة واسعة كما حدث مع "اتفاق أوسلو"، علماً
أن "خارطة الطريق" من حيث بنودها أسوأ من ذلك الاتفاق، وأشدّ خطورة في نتائجها
منه.
فعلى سبيل المثال اعتبر من وافق عليها أن أهمّ بند فيها هو اعترافها بحلّ
للقضيّة الفلسطينية، و"إنهاء الصراع" على أساس دولتين: فلسطينية وإسرائيلية.
وهو اعتراف نظري وشكلي لأن كلّ ما يتعلّق بـ"الدولة الفلسطينية" من أراض وحدود
وسيادة وحجم بقي معلّقاً في الهواء وبلا مضمون. ويكفي أن نتوقّف عند عبارتين
وردتا بهذا الخصوص: الأولى حول السيادة، إذ ورد في الخارطة تعبير "صفات
سياديّة"، وهو ما لم يرد في قانون دولي. ولا يختلف عن اختراعات أوسلو وما
بعدها، مثل السيادة المشتركة أو "الثنائية". وكان ذلك كلّه يعني، وهو ما تعنيه
العبارة "صفات سياديّة"، إبقاء السيادة الفعلية للدولة العبريّة. فالسيادة في
القانون الدولي إما كاملة أو لا، فعندما تكون منقوصة تنفي نفسها بنفسها في
مصلحة الأقوى!.
والنقطة الثانية استخدام عبارة "حدود مؤقّتة" تقوم عليها "الدولة الفلسطينية".
وهنا أيضاً، لا يوجد شيء في القانون الدولي اسمه قيام دولة على "حدود مؤقّتة"
إذ إن حدود الدولة يجب أن تكون محدّدة. وهذه مسألة تمسّ موضوع السيادة كذلك.
أضف إلى أن كلّ ما يتعلّق بالمستوطنات وما هو قائم من "جدار فصل" وما يشبه
البانتوستانات والجيوب والطرق الالتفافية، أو بعبارة أخرى خارطة الوضع الحالي
القائم لا ذكر لها بمعنى إزالتها، ومن ثمّ فإن الدولة المقترحة سوف تقوم من
وجهة نظر الخارطة - بعد التفاوض على كلّ ذلك. وما من أحد نسي ماذا يحدث في
التفاوض، لأن كلّ ما سيحول إلى التفاوض يعني تآكلاً للحقوق الفلسطينية، أو
أكلاً لما بين يدي الفلسطينيين على هزالته في الوقت الحاضر.
ومع كلّ ذلك لم يوافق شارون وحكومته على "خارطة الطريق" حتى الأسبوع الأخير من
شهر أيار/مايو 2003. وحتى هذه الموافقة جاءت على لسان الرئيس الأميركي جورج
دبليو بوش مقرونة بتصريحات لكولن باول وزير الخارجية ولمستشارة الأمن القومي
كوندوليزا رايس، تشير إلى أن هذه الموافقة تمّت بعد أن قبلت أميركا اثني عشر
شرطاً من أربعة عشر شرطاً وضعها شارون من أجل الموافقة على الخارطة، وكانت في
الأصل مائة شرط.
هذا يعني باختصار أن الذي وافق عليه شارون لا علاقة له بخارطة الطريق، وإنما
بخارطة أخرى مختلفة بعد أن يبدأ العمل بها. أما السبب في عدم إعادة النظر في
الخارطة على ضوء الشروط الإسرائيلية فيرجع إلى إشكالية صدورها عن اللجنة
الرباعية المشكّلة من أميركا وأوروبا وروسيا والأمم المتحدة. وهو لا يسهل
تمريره كلّه، ويشكّل إحراجاً شديداً للأطراف الثلاثة الأخرى. فإبقاء "خارطة
الطريق" من دون تعديل يُبقي اللجنة الرباعية بعيدة عن استمرار التدخّل في
الموضوع بعد أن انتهت مهمّتها فور انتهاء العدوان على العراق. إذا عاد
الاستفراد الأميركي في "رعاية" التسوية من جهة، أما من الجهة الأخرى فالتعديل
يكون قد حصل عملياً بعد أن تمّ من خلال موافقة الولايات المتحدة على أغلبية
الشروط، وأبقت موافقتها على الشرطين الأخيرين المتعلقين باللاجئين والتنازل
الفلسطيني عن كل مطالبة بحقوق سابقة للمراحل الأخيرة. أي بعد أن يكون
الفلسطينيون والعرب حين يذهبون إلى آخر الشوط قد أصبحوا في وضع الموافقة على
الشرطين المذكورين.
وبهذا أصبح أمام الذين وافقوا على "خريطة الطريق" السابقة التي أصبحت ماضياً
-بعد أن قدمت الإدارة الأميركية تعهداً خطياً بقبول التعديلات الإسرائيلية
لاحقاً- أن يوافقوا على عملية "الخريطة الجديدة". ولا مجال لخداع النفس أو وضع
الرؤوس في الرمال، إذ عليهم أن يتراجعوا عن الموقف السابق الذي اعتبر أن "خريطة
الطريق" للتنفيذ وليس للمفاوضات. لأن المطلوب منهم الآن، وبلا مواربة، أن
يبدأوا بتنفيذ الشروط المتعلقة بهم في الخريطة، وعلى التحديد تلك المتعلقة
بتصفية الانتفاضة والمقاومة وصمود الشعب الفلسطيني. ولن يُكتفى بوقف إطلاق
النار، أو بهدنة، وإنما عليهم أن "يفككوا" وفقاً للتعبير الإسرائيلي-الأميركي
"منظمات الإرهاب" واعتقال قادتها، أو بعبارة أخرى إقامة حكم عسكري يقمع أي
ممانعة للاحتلال 'ولا تقل مقاومة'، بل يعاقب على "التحريض" الذي يشمل المعاقبة
على حرية التعبير والرأي.
وبهذا تكون أميركا حين قبلت بكل شروط شارون في ما يخص الخريطة، وتركت طعماً
وهمياً بأنها تحفظت على شرطين، قد عادت إلى السلطة الفلسطينية بالموقف
الإسرائيلي كاملاً. ولا مجال لأحد أن يناور بالمجادلة حول هذه النتيجة إذا كان
سيقبل بها. فما الموقف والحالة هذه؟.
الموقف ببساطة يبدأ من ناحية السلطة برفض هذه المناورة القاتلة وإعادتها إلى
أصحابها بلا "شكر". لأن التورط في إعادة بحث الموضوع تحت حجة أن ثمة موقفاً
أميركياً إيجابياً حين وافق على اثنتي عشرة نقطة، وتحفظ على نقطتين، سيشكل
مدخلاً لابتلاع النقاط الأربعة عشر كلها. فالشراكة الأميركية-الإسرائيلية التي
تجلت في علاقة إدارة بوش المتطرفة المتصهينة ما فوق الليكودية، لا تسمح باختراع
مسافة ولو هامشية بين الموقفين. فمن يرفض سياسات شارون وحلّه يجب عليه أن يرفض
السياسة الأميركية وحلّها، لأن هذه الأخيرة هي امتداد متطابق أو شبه متطابق مع
الأولى.
على أن هذا غير كاف، إذ المطلوب المحافظة على وحدة القوى الإسلامية والوطنية
التي عبرت عنها القيادة الميدانية للانتفاضة. وهذه لا تقوم إلا على أساس تحديد
هدف يتفق عليه الجميع وهو دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات، واتباع استراتيجية
الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي الطويل الأمد. وهذا الطرح لا يمكن أن يُتهم
بالمزايدة أو بالخيالي، لأن هذا ما كان قائماً خلال الثلاثين شهراً الماضية
وحقق إنجازات لا ينكرها إلا مكابر، سواء أكان على الصراع على أرض فلسطين أم على
المستوى العربي أم العالمي. ويكفي أن يتحقق إفشال لاستراتيجية القيادة
الإسرائيلية بالقضاء على الانتفاضة والمقاومة وتركيع الشعب الفلسطيني، لكي تكون
استراتيجية الانتفاضة والمقاومة والصمود في طريقها إلى النجاح.
وبديهي أن الذي ينتصر في هذه الحرب هو الذي يصمد حتى النهاية. وقد أخذت تظهر
علائم كثيرة تشير إلى أن استراتيجية شارون - موفاز في طريقها إلى إعلان
إفلاسها. وهو ما اعترف به أغلب المعلقين السياسيين في الصحافة الإسرائيلية بعد
سلسلة العمليات الأخيرة. حيث اعتبروا أن "شارون محاصر" وأنه في مأزق، وأن
استراتيجيته في قمع الشعب الفلسطيني وفرض الاستسلام عليه قد فشلت. ولم يعد
أمامه إلا اللجوء إلى أساليب أشدّ تطرّفاً وهو متأكّد من عدم نجاعتها ولا
جدواها، أو العيش طويلاً ضمن هذه المعادلة التي ألحقت أضراراً كبيرة بالدولة
العبريّة اقتصاداً ومعنويات وحالة نفسية ومخاسر شتّى. والأخطر أن انعطافاً
هائلاً في الرأي العام العالمي قد تحقّق في مصلحة الشعب الفلسطيني والقضيّة
الفلسطينية.
ولكن لو افترضنا أن هنالك من لا يوافق على هذا الطرح إلا أن من الخطأ القاتل
القبول بما تحمله الجعبة الأميركية، وتقديمه بالمجّان تحت تأثير الحرب النفسية
التي راحت تشنّ بعد احتلال العراق، وذلك بالقول إن الظروف قد تغيّرت في مصلحة
أميركا وإن من المغامرة معاندتها أو ممانعتها، وصولاً إلى الرضوخ الكامل
لمطالبها أي مطالب شارون.
إن من يتأمّل في الوضع الجديد الذي نشأ في العراق سيجد أن من المبكر جداً
التصوّر أن الأمور استتبّت لأميركا هناك أو أنها لن تواجَه بألوان من الممانعة
والمقاومة والورطات، ممّا يبطل تلك الدعاية التي تقول إن الأوضاع تطوّرت في
مصلحة أميركا. هذا ويمكن القول إن من المبكر جداً السير في جنازة الوضع العربي،
أو في مواقف الدول الكبرى التي عارضت الحرب، لأن الأسباب التي دعت إلى معارضة
أميركا قبل الحرب أصبحت أقوى بعدها. وذلك بسبب ما أُضيف من غرور وغطرسة إلى
مواقف ذلك الفريق المتطرّف في إدارة بوش بعد أن كسب المعركة العسكرية ضدّ
النظام في العراق، الأمر الذي سيدفعه إلى المغالاة في مطالبه من الوضع العربي
والعالمي. فإذا كان المطلوب الاستسلام للمشروع الصهيوني عربياً، والتسليم
بالأحادية الأميركية المطلقة عالمياً، فإن تلبية ذلك سترتطم بالوجود للدول
والأنظمة والمصالح العليا. ولهذا فإن التطوّرات السريعة القادمة، 'أعطها سنة
على الأكثر' لن تكون في مصلحة ما يُشاع من حرب نفسية حول المتغيّرات بعد احتلال
العراق.
صحيح أن ثمّة اتجاهاً عامّاً لإعادة رأب الصدع مع أميركا ولكن المشكلة كانت من
حيث منطلقها، وما زالت، هي في الاستراتيجية الأميركية التي طالبت قبل الحرب،
وهي تطالب الآن بما هو فوق المستطاع، ممّا استوجب ما حدث من معارضة وممانعة،
وممّا سيستوجب معارضة وممانعة جديدتين. فالظاهر على سطح الأوضاع لا يعبّر عن
واقع التناقضات التي تعمل تحت السطح ولا يعبّر عن عمق المآزق والتعثّرات التي
تواجه تحقيق أميركا لأهدافها.
ومن هنا يجب ألا يُسمح للتهويل بقوّة أميركا أو بالمتغيّرات التي حدثت، لتفرض
على الفلسطينيين والعرب وحتى الدول الكبرى الأخرى اتخاذ قرارات غير منسجمة حتى
مع موازين القوى الفعلية. والأخطر بعيدة من التقدير الصحيح لما تواجهه أميركا
من نقاط ضعف ومآزق وصعوبات وتعثّر.
وما من أحد نسي ماذا يحدث في التفاوض، لأن كلّ ما سيحول إلى التفاوض يعني
تآكلاً للحقوق الفلسطينية، أو أكلاً لما بين يدي الفلسطينيين على هزالته في
الوقت الحاضر
وبديهي أن الذي ينتصر في هذه الحرب هو الذي يصمد حتى النهاية. وقد أخذت تظهر
علائم كثيرة تشير إلى أن استراتيجية شارون - موفاز في طريقها إلى إعلان
إفلاسها. وهو ما اعترف به أغلب المعلقين السياسيين في الصحافة الإسرائيلية بعد
سلسلة العمليات الأخيرة. حيث اعتبروا أن "شارون محاصر" وأنه في مأزق
|
| |
|