فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

FM-M July 2003
PDF نسخة
و لنا كلمة
الغلاف
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير 1
أخبار وتقارير 2
أخبار وتقارير 3
أخبار وتقارير 4
شؤون فلسطينية 1
شؤون فلسطينية 2
شؤون فلسطينية 3
شؤون فلسطينية 4
تحقيق
شؤون عربية 1
شؤون عربية 2
شؤون دولية
في الغربال
رأي
حوارات
تقرير
أوراق ثقافية 1
أوراق ثقافية 2
أوراق ثقافية 3
حصاد الأيام
خلف القضبان
أنشطة
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

شؤون دولية

بعد جولة بوش الأوروبية:
استمرار الخلافات الأوروبية – الأميركية حول القضايا الأمنية والسياسية


بون/نبيل شبيب
على النقيض من لقاءات شرم الشيخ والعقبة لم تسفر لقاءات الرئيس الأميركي جورج بوش مع الزعماء الأوروبيين أواخر أيار/مايو 2003 عن "مكاسب" سياسية أو أمنية، وإن رافقتها –كما كان منتظراً- سلسلة من التصريحات والمواقف التي انطوت على قدر مدروس من التبدّل في لهجة الخطاب الديبلوماسي، لتجاوز حدّة المواجهة قبيل حرب احتلال العراق وأثناءها.
بولندا أوروبية.. وتبقى أوروبية
كانت بولندا المحطّة الأولى لمحادثات الرئيس الأميركي، ولم يكن اختيارها اعتباطياً بطبيعة الحال، بل استهدف تثبيت ما سبق أن بدأت به السياسة الأميركية منذ التسعينات، وبلغ ذروته أثناء حرب احتلال العراق، حتى اتخذ صيغة أشبه بمحاولة بناء جدار جديد يفصل بين شرق أوروبا وغربها، وسبق أنّ ردّ الأوروبيون الغربيون على هذه السياسة بمعاهدة ماستريخت لتوحيد أوروبا، ثم الآن بالتعجيل في عمليّة توسيع الاتحاد الأوروبي شرقاً، إلى جانب متابعة العمل على تثبيت دعائم العلاقات البولندية – الألمانية - الفرنسية على مختلف الأصعدة.
ورغم الانزعاج الشديد الذي سبّبه الموقف البولندي في إطار الموقف الأوروبي الشرقي العلني المؤيّد لسياسة الحرب الأميركية - البريطانية، إلاّ أنّ الهدوء عاد إلى العلاقات الأوروبية - الأوروبية مجدّداً، فلم يجد بوش في وارسو ما يمكن أن يثير به انزعاج الأوروبيين في ألمانيا وفرنسا على وجه التخصيص، بل على النقيض من ذلك، كانت أضواء القمّة الأميركية - البولندية خافتة للغاية بالمقارنة مع القمّة الضخمة التي شهدتها مدينة بطرسبورغ في اليوم نفسه، وجمعت أكبر عدد من زعماء الدول الأوروبية في مكان واحد في ضيافة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فكانت شاهداً إضافياً على ما وصل إليه ترسيخ التقارب الروسي - الأوروبي، اعتماداً على محور موسكو – برلين - باريس، الذي أثبت في قضيّة العراق "وجوده" المبدئي في التحرّك السياسي لمواجهة سياسة الهيمنة الأميركية، ومن المرجّح أن تزداد فعاليته تدريجياً.
وبولندا نفسها التي ركّزت السياسة الأميركية عليها أوروبياً، أظهرت أنّ هذه المحاولة لا تقف على أرض ثابتة، فالاستفتاء الشعبي الذي جرى بعد أيّام معدودة من زيارة بوش، أسفر عن نتائج بالموافقة على اتفاقية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة عالية تجاوزت سائر التوقّعات، وأكّدت على أرض الواقع أنّ سياسة "زرع وتد" أميركي بين وارسو من جهة ومحور برلين - باريس من جهة أخرى، لن يجد في الفترة المقبلة تجاوباً شعبياً وسياسياً يستحق الذكر.
ويمكن القول إنّ موافقة الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بعد أيام على تلبية الطلب البولندي لإرسال قوّة عسكرية إلى العراق المحتلّ، لم تكن من قبيل إعادة الأمور إلى مجاريها مع واشنطن، وإنّما مع بولندا، التي أدركت حجم تورّطها السياسي في التسرّع بالموافقة على مثل تلك المشاركة العسكرية، علاوة على أنّها لا تملك ما يكفي من الطاقات لتمويل العمليّة ولنقل القوّات المطلوبة إلى العراق.
زعزعة دعائم الأطلسي
لا ينفي ذلك أنّ الدول الأوروبية الرئيسية تدرك أنّها لم تبلغ بعد ما تسعى لبلوغه بشأن تميّزها الأمني والعسكري عن واشنطن، فلا تستطيع أصلاً الاستغناء "الآن" عن حلف شمال الأطلسي أو عن الارتباطات العسكرية الوثيقة الباقية من حقبة الحرب الباردة. إنّما لا يمكن القول بنجاح الرئيس الأميركي في تحقيق أحد الأهداف الرئيسية من جولته الأوروبية الجديدة، وهو تطويع السياسة الأمنية الأوروبية لتتحرّك في إطار الحلف فقط، بعد تغيير مهامّه في اتجاه يمكن أن يجعله مجرّد أداة تنفّذ السياسات الأميركية عالمياً، دون أن يقيّد الولايات المتحدة الأميركية نفسها بشأن صياغة تلك السياسات.
وقد طالب بوش أثناء جولته الأوروبية ومن قبل، بتغيير البنية الهيكلية للحلف مع استهداف توظيفه في "الحرب ضدّ الإرهاب الدولي" بصورة خاصة.. ولم تقف الدول الأوروبية موقف الرفض، ولكنّ "حجم الموافقة" كان في حدود الضرورة التي تفرضها المرحلة الراهنة، وليس بصورة توحي بالرغبة في استمرار الاعتماد على الحلف في المستقبل المنظور.
ومن العسير توقّع موقف أوروبي أكثر تجاوباً مع واشنطن، ما دام الساسة الأميركيون مستمرّين في ممارسة السياسة التي ظهرت معالمها في التسعينات، وارتكزت على إثارة أكثر من ورقة خلاف أوروبية، مع العمل تبعاً لذلك على بقاء الزعامة الأميركية المهيمنة على القارّة كما كانت أثناء الحرب الباردة، ووصلت سياسة إثارة الخلافات ذروتها مع حرب احتلال العراق، وهذا ما أظهرها – عبر مثال بولندا - كما لو كانت وليدة ساعتها.
إنّ وصول العلاقات الأطلسية إلى مستوى قريب من القطيعة ظهر للعيان أثناء جولة بوش، وإن لم يتّخذ ذلك صورة استعراضية، فكان ممّا أمكن رصده على سبيل المثال:
1- رغم المجاملات الديبلوماسية من الجانبين، لم تنقطع التصريحات الرسمية "العدائية" على لسان كبار المسؤولين الأميركيين، ومنها مثلاً تكرار وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد حديثه عن "أوروبا قديمة وأخرى جديدة" وهو ما سبق أن أثار غضب الأوروبيين، وقد جاء تصريحه الجديد على الأرض الألمانية أثناء مشاركته في احتفال بمرور عشرة أعوام على إنشاء معهد أمني ألماني - أميركي مشترك..
2- شارك رامسفيلد في الاحتفال المذكور ولكنه امتنع خلال وجوده في ألمانيا عن إجراء "محادثات رسمية" مع قرينه الألماني بيتر شترك، ممّا كان يعتبر تقليدياً وضرورياً عشية انعقاد مؤتمر وزراء دفاع الحلف في بروكسل.
3- صدرت عدّة تصريحات أميركية تمتدح فرنسا وموقفها "الجديد" وتصريحات أخرى في الوقت نفسه تؤكّد أنّه من العسير عودة العلاقات الأميركية – الألمانية إلى ما كانت عليه، ما دام المستشار الألماني جيرهارد شرودر في السلطة.. وهو أسلوب يذكّر بسعي واشنطن على هامش أحداث البلقان قبل أكثر من عشرة أعوام، لإثارة المخاوف الفرنسية من ألمانيا "الموحّدة"، والمخاوف الألمانية من الدور الفرنسي في البلقان..
4- صدرت الموافقة الأوروبية على الرغبة الأميركية في تشكيل قوّة تدخّل سريع لحلف شمال الأطلسي، ولكن اقتصرت على أن تكون هذه القوّة في حدود 22 ألف جندي، وأن تصبح جاهزة "جزئياً" مع نهاية عام 2004 وبصورة كاملة عام 2006، وهذا ما يتبيّن مغزاه عند المقارنة بأنّ عدد جنود القوّة العسكرية الأوروبية الموحّدة سيزيد على 60 ألفاً، وأنّه من المقرّر اكتمال تجهيزها قبل نهاية عام 2003.
5- كما اقترنت الموافقة الأوروبية باعتماد طلب طائرات النقل العملاقة من أوكرانيا في شرق أوروبا، وهو ما سعت إليه ألمانيا بصورة خاصّة، معارِضةً بذلك الرغبة الأميركية في أن تعتمد قوّة التدخّل الأطلسية على طائرات نقل من شركة "بوينغ" المعتمدة في تجهيزات القوّات الأميركية.
بقايا التعاون الأمني
المفروض أن يدرك الأميركيون أنّ سياسات "زرع الأوتاد" في الساحة الأوروبية، لا يمكن أن تساهم في إيجاد أرضية أمنية مشتركة جديدة وبديلة لمسيرة حلف شمال الأطلسي بزعامته الأميركية، وفق ما تتطلّع إليه الحكومات الأميركية منذ انهيار المعسكر الشرقي. بل لقد بدأت هذه السياسات تسبّب نقيض ما تستهدفه، وهو ما لا يقتصر على مثال بولندا المشار إليه، لا سيّما وأنّ مجرّد تصوّر الاعتماد على الدول الأوروبية الشرقية مثل بولندا ورومانيا وبلغاريا كدعائم بديلة للحلف، أو حتى كمجرّد مواقع لقواعد عسكرية أميركية، تعوّض عن ألمانيا أو بلجيكا، يمثّل تصوّراً ساذجاً لأسباب موضوعية بحتة ترتبط بالبنية التحتية والطاقات الذاتية لتلك الدول بالمقارنة مع دول غرب أوروبا، وهو ما يجعل كلّ خطوة في الاتجاه المذكور باهظة النفقات وتحتاج إلى زمن طويل.
كذلك محاولة التمييز بين مواقف فرنسا وألمانيا لم تصمد طويلاً، فبعد جولة بوش في أوروبا بيوم واحد عاد الرئيس الفرنسي جاك شيراك ليؤكّد عدم تبدّل الموقف الفرنسي بشأن عدم مشروعية حرب احتلال العراق، بل خطا خطوة أبعد بالاتفاق الأمني الجديد والمفاجئ نسبياً مع بريطانيا، وهو ما لا يمكن فصله عن "خيبة الأمل" البريطانية من السياسة الأميركية بعد احتلال العراق، الأمر الذي يمكن أن يفسّر أيضاً تليين الموقف البريطاني بصورة غير منتظرة، ساهمت في التوصل إلى اتفاق مبدئي على صياغة دستور مشترك للاتحاد الأوروبي، وهو ما يعجّل بخطوات تميّزه السياسي والأمني، ووصوله إلى سياسات خارجية مشتركة.
وكان حرص فرنسا على تلطيف الأجواء الديبلوماسية مع واشنطن مرتبطاً بصورة واضحة بحرصها على عدم إخفاق قمّة الثمانية التي انعقدت في باريس هذا العام، أمّا من حيث المضمون فقد لفت النظر ما سعت إليه فرنسا عن طريق دعوة عدد كبير نسبياً من زعماء الدول النامية، واستهدف إعطاءَ "قمّة الثمانية" مهمّة جديدة على المستوى العالمي بالمعنى الشامل للكلمة، ممّا يتعارض قطعاً مع حرص واشنطن على استخدام "العلاقات الثنائية" الأنسب لتوظيفها أداة لتحقيق أهداف الهيمنة العالمية. وتشير الخطوة الفرنسية في الوقت نفسه إلى انخفاض مستوى ميادين التعاون على مستوى قمّة الثمانية، إلى حدّ أدنى ممّا كان عليه في أي فترة مضت منذ نشأة هذا اللقاء السنوي للدول الصناعية الرئيسية في أواسط السبعينات الماضية. وكانت القمّة قد فقدت دورها سابقاً كساحة للتنسيق المالي والاقتصادي مع ازدياد حدّة التنافس إلى درجة الصراع بين القوى الاقتصادية الرئيسية، وعوّضت عن ذلك في حينه بالتنسيق في المجال الأمني في مواجهة المعسكر الشرقي، ولكن منذ انهيار الشيوعية بدأ يضمحلّ هذا المجال أيضاً على غرار ضموره على مستوى حلف شمال الأطلسي.
ولم تغيّر جولة بوش شيئاً على هذا الصعيد، رغم الانطباع المعاكس الذي قد ينشأ للوهلة الأولى من القرارات الصادرة عن قمّة الاتحاد الأوروبي في منتصف حزيران/يونيو، لا سيّما ما يتعلّق بأسلحة الدمار الشامل و"مكافحة الإرهاب". والواقع أنّ مطلب الحيلولة دون انتشار هذه الأسلحة، هو مطلب مشترك بين سائر القوى الدولية في الشمال، التي تريد استمرار "احتكار" هذه الأسلحة، أمّا القرار الأوروبي فلم يكن تلبية لمطلب الرئيس الأميركي بقدر ما كان تأكيداً على الموقف الأوروبي - الروسي وفق ما ظهر قبيل حرب احتلال العراق، إذ يؤكّد الاتحاد الأوروبي نصاً على عدد كبير من الإجراءات السياسية والاقتصادية والديبلوماسية قبل استخدام القوّة، مع ربط قرار استخدام القوّة بمجلس الأمن الدولي، ضدّ أيّة دولة تتعرّض للاتهام بحيازة أسلحة دمار شامل، وهو ما يعني رفضاً واضحاً للسياسة الأميركية التي تريد التصرّف خارج نطاق المجلس من جهة، ووفق أسلوب "الحرب الوقائية" من جهة أخرى.
ويسري شبيه ذلك على ما يوصف بمكافحة "الإرهاب الدولي" فالعنوان يجمع سائر القوى الدولية في الشمال، مع اختلاف كبير في الدوافع والأسباب، فتبقى المواقف الجديدة الأوروبية على هذا الصعيد من قبيل تحصيل حاصل، وليس من قبيل الاستجابة إلى مطالب أميركية طرحها بوش أثناء لقاءاته مع الزعماء الأوروبيين، وإن كانت النتيجة واحدة في نهاية المطاف.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003