لبنان بين الصراعات الداخلية
والضغوط الإقليمية والدولية:
جهود مكثّفة لمعالجة الإشكالات وتعزيز الاتجاه المقاوم
بيروت/قاسم قصير
يعيش الوضع اللبناني في ظلّ ظروف سياسية وأمنية ضاغطة، إن بسبب الخلافات
الداخلية بين مختلف الأفرقاء أو بسبب الضغوط الإقليمية والدولية التي يتعرّض
لها من أجل التخلّي عن ثوابته السياسية على صعيد دعم المقاومة، وفي إطار الجهود
المكثّفة لتمرير "خارطة الطريق" التي تسعى الجهات الدولية لإنجاحها في إطار
عمليّة التسوية. وفي ظلّ هذه المعطيات، شهد لبنان جملة أحداث سياسية وأمنية
بالإضافة إلى التحرّكات الدبلوماسية المكثّفة، ولعلّ القصف الصاروخي الذي تعرّض
له "تلفزيون المستقبل" الذي يملك أسهماً كبيرة فيه رئيس الحكومة رفيق الحريري،
كان من أبرز الأحداث الأمنية التي كشفت عن الضغوط القاسية التي يمكن أن يعيشها
لبنان، سواء بسبب خلافات داخلية أو لتسوية بعض الصراعات الإقليمية والدولية.
ويضاف إلى ذلك الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للسيادة اللبنانية عبر الغارات
الجوية والتي تكشف عن احتمال حصول تطوّرات أمنية مستقبلية على الجبهة اللبنانية
في إطار توجيه "ضربة ما" لحزب الله وللبنان وسوريا.
فكيف هي صورة الوضع اللبناني في ظل المتغيّرات الإقليمية والدولية؟
الخلافات الداخلية
عاش اللبنانيون في الأسابيع الماضية حالة من القلق بسبب الخلافات التي نشبت بين
المسؤولين اللبنانيين حول بعض القضايا الداخلية، والتي تطوّرت إلى معارك
إعلامية وسياسية، وأدّت إلى زرع أجواء التشنّج في الوضع اللبناني، لكن جهوداً
مكثّفة بُذلت من قِبل المسؤولين السوريين وبعض الأطراف اللبنانية تمّ بنتيجتها
تجميد هذه الخلافات وتسهيل انعقاد جلسة مطوّلة لمجلس الوزراء اللبناني والاتفاق
على حلّ العديد من المشكلات الداخلية. لكن ذلك لم يمنع بقاء بعض القضايا
والملفّات في إطار دائرة التجاذبات مما يفتح الباب أمام العودة للمشكلات.
وربطت الأوساط السياسية اللبنانية هذه المشكلات بمعركة رئاسة الجمهورية المقبلة
التي ستجري في أيلول/سبتمبر من العام المقبل، وقد بدأت بعض الجهات الترويج
لإمكانية التمديد للرئيس العماد إميل لحود بعد تعديل الدستور، فيما تعمل أطراف
أخرى لمنع حصول ذلك. وقد دعا العديد من المسؤولين اللبنانيين لوقف السجال حول
هذا الملف لكي لا يؤثّر ذلك سلباً على الوضع الداخلي، خصوصاً أنه ما يزال
يفصلنا عن هذا الاستحقاق فترة لا بأس بها.
وفي ظلّ الخلاف الداخلي جاءت عملية "القصف" التي تعرّض لها تلفزيون المستقبل من
خلال إطلاق صاروخين من عيار (107) من سيارة أوقفت قرب المبنى، مما أدى لوقوع
خسائر مادية كبيرة دون وقوع خسائر في الأرواح. ولم تُعرف الجهة التي تقف وراء
هذا الاعتداء، فيما حاول وزير الداخلية إلياس المرّ إلصاق التهمة بجهات إسلامية،
لكن الرئيس رفيق الحريري وقوى إسلامية أخرى رفضوا هذه الاتهامات ودعوا للتدقيق
بأي موقف يُطلق.
ويشكّل هذا الحادث الأمني خللاً كبيراً في الوضع الداخلي وإن كانت الجهود
تكثّفت لمعالجة انعكاساته السلبية.
تحرّكات دبلوماسية
وفي اتجاه آخر شهد لبنان حركة دبلوماسية مكثّفة من قبل موفدين روس وأوروبيين
وأميركيين ومن الأمم المتحدة وتحت عناوين مختلفة، فبعض هؤلاء الموفدين كعضو
الكونغرس الأميركي داريل عيسى حمل مشروعاً لسحب سلاح حزب الله مقابل تمويل
إقامة مشاريع تنموية، كذلك دعا لنشر الجيش اللبناني على الحدود، فيما بحث
الموفدون الدوليون إمكانية ترتيب مشروع "خارطة طريق للبنان وسوريا" استكمالاً
لمشروع "خارطة الطريق لتسوية الصراع مع الكيان الصهيوني".
وتشير المعلومات إلى أن هذه الجهود ستكثّف في المرحلة المقبلة ويسعى الأوروبيون
للوصول إلى مشروع متكامل لأنهم يعتبرون أن تسوية المشكلات على الصعيد الفلسطيني
– الإسرائيلي لن تنهي المشكلة في المنطقة، بل لا بدّ من إدخال لبنان وسوريا في
هذا المشروع.
وفي الوقت نفسه يتحرّك الأميركيون لفرض المزيد من القيود على لبنان بسبب مواقفه
الداعمة للمقاومة، ونجح الأميركيون في الضغط على أستراليا لوضع اسم حزب الله
على لائحة الإرهاب بعد أن قامت كندا بالخطوة نفسها. كما كشفت وسائل الإعلام
اللبنانية عن منع سفر بعض الشخصيات اللبنانية إلى الولايات المتحدة بسبب
تبرّعاتها لجمعية المبرّات الخيرية التابعة للسيّد محمد حسين فضل الله، في خطوة
تكشف المزيد من الضغط الأميركي على المؤسّسات الإسلامية.
وتتخوّف الأوساط الإسلامية من حصول المزيد من الضغوط الأميركية على بعض الدول
لفرض حصار على المؤسّسات الإسلامية أو لمنع أي تحرّك لتقديم مساعدات مالية
للمؤسّسات التي تعمل في الإطار الاجتماعي أو الرعائي لعوائل الشهداء والأسرى،
وذلك في إطار الخطّة الأميركية، لتجفيف مصادر الدعم للمقاومة ومؤسّساتها
المختلفة.
التحرّك الإسرائيلي والموقف المقاوم
أما على الصعيد الجنوبي فقد زادت وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة
اللبنانية، بالإضافة لقيام الجيش الإسرائيلي باعتقال راعيين في منطقة قريبة من
مزارع شبعا بحجّة جمعهما معلومات لمصلحة "حزب الله".
كما أطلقت القوات الإسرائيلية النار على المناطق الحدودية، مما يكشف ازدياد
التحرّشات الإسرائيلية بلبنان، واحتمال أن يكون ذلك في إطار خطّة إسرائيلية
لدفع حزب الله والمقاومة للرد على هذه الانتهاكات، ممّا يفتح الباب واسعاً أمام
حصول تطوّرات عسكرية على الجبهة اللبنانية.
وقد أشار الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله مراراً إلى إمكانية حصول
عدوان واسع على لبنان وسوريا, ودعا القوى اللبنانية للاستعداد لمواجهة أي عدوان
متوقّع، كما طلب من الأحزاب اللبنانية إعادة تشكيل أطرها المقاوِمة وشراء
الأسلحة والابتعاد عن الإشكالات الداخلية، وتأجيل كلّ الملفّات التي تؤدّي
للخلافات والسجالات السياسية.
وقد أعلن رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط تأييده لمواقف الأمين
العام لحزب الله وطلب من وفود طلابية زارته في المختارة (مقرّ إقامته) أن يتمّ
تعميم خطب السيّد نصر الله ودراستها لأنها تشكّل الموقف المقاوم الصحيح.
ويبدو أن الوضع اللبناني سيظلّ في المرحلة المقبلة في حالة عدم استقرار، وقد
تزداد الضغوط الأميركية والإسرائيلية والدولية على لبنان من أجل محاصرة قوى
المقاومة، وللقيام بخطوات إضافية لضبط الوضع على الحدود ومنها نشر الجيش
اللبناني. فيما تعمل قوى المقاومة والأطراف المؤيّدة لها لإعادة ترتيب أوضاعها،
بما يؤدّي لحفظ خيار المقاومة ومواجهة أيّ تطوّرات سياسية ضاغطة في المرحلة
المقبلة.
قرار العفو الرئاسي عن قائمة الـ(16) في اليمن:
عودة وشيكة لغالبية المشمولين به
صنعاء/علي الرشيد
توقّعت مصادر إعلامية رسمية عودة عدد من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني
المشمولين بقائمة الـ(16) ممّن صدرت بحقّهم أحكام تراوحت بين الإعدام والسجن -إثر
أحداث حرب صيف عام 1994- أو الذين اختاروا المنفى الاختياري منذ 9 سنوات توقّعت
عودتهم إلى صنعاء خلال الأيام القليلة القادمة، نتيجة للعفو الذي أصدره الرئيس
علي عبد الله صالح بمناسبة عيد الوحدة في نهاية شهر أيار/مايو الماضي.
ليس معروفاً حتى الآن ما إذا كانت عودة هذه الشخصيات ستأتي بصفة جماعية بناء
على اتصالات تنسيق فيما بينها، أم ستكون فردية وفق رؤية كلّ منها وتفاعله مع
قرار العفو، وكيف سيكون مستقبلها بعد العودة للبلاد سواء في علاقتها مع السلطة
أو مع الحزب الاشتراكي الذي تنتمي إليه، فثمّة مثال حيّ لعودة السيّد سالم صالح
محمد (عضو مجلس الرئاسة الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي السابق) -العام
الماضي- وقد اتضح أن له أجندته الخاصّة به فهو حالياً مستشار للرئيس اليمني،
ولا تظهر الوقائع أنه منسجم مع مؤسّسات حزبه وقراراتها، كما أنه ليس واضحاً ما
إذا كانت هذه العودة الوشيكة ستعيد النظر في تشكيلة الصفّ القيادي للحزب
الاشتراكي بحكم خبرات وتجارب القيادات النازحة، وانتهاء الظروف التي كانت
تجعلهم بعيدين عن مسرح قيادة الحزب الفعلية.
حوار مع قيادي من الحزب الاشتراكي
الحوار التالي مع الأستاذ علي الصراري عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي
والكاتب والمحلّل السياسي يلقي الضوء على الكثير من التساؤلات التي أثيرت سابقاً:
* هناك حديث عن قرب عودة قائمة الـ(16) الذين شملهم العفو الرئاسي؟
* نعم، ما هو متوقّع عودة جماعية قريبة، الأمر الذي جعل التعاطي مع قضيّة العفو
عن القائمة تعاطياً سياسياً وليس جنائياً بحتاً، أما كيفية وزمن العودة تحديداً
فمتروك لتقديرات أصحاب الشأن، والمرجّح أن عودة بعضهم باتت وشيكة.
* طالب بعض الراغبين بالعودة من قائمة الـ(16) الدولة باتخاذ بعض الترتيبات
التي تسبق رجوعهم ورد الاعتبار لهم وإلغاء آثار حرب الانفصال عام 1994.. هل
تتوقّع أن تلبّي الدولة رغبتهم؟
* لا أستطيع أن أتوقّع شيئاً بخصوص استجابة الحكومة لهذه المطالب من عدمه، لكن
ما صدر من تصريحات عن بعض المشمولين بالعفو يشير إلى رغبتهم في فتح حوار مع
السلطة اليمنية، يقود إلى معالجة القضايا السياسية التي بسببها كان وجودهم في
الخارج منذ تسع سنوات وصدور أحكام بحقّهم.. وفي تقديري إن الصراع السياسي في
اليمن في فترات سابقة يحتاج فعلاً إلى معالجات سياسية وقانونية، وإعادة النظر
في بعض الإجراءات التي اتخذت في السابق والتي كانت جزءاً من تداعيات الصراع في
المرحلة السابقة، ومثل هذا الطرح يعدّ مقبولاً وينبغي تفهّمه.
* برأيكم ما أهم انعكاسات قرار العفو سواء على صعيد الحزب الاشتراكي نفسه أو
على صعيد الحياة الحزبية في اليمن؟
* نحن في الحزب الاشتراكي عبّرنا عن ارتياحنا لهذا القرار واعتبرناه خطوة في
الاتجاه الصحيح في سياق تصفية آثار حرب صيف عام 1994، وإعادة إصلاح الأوضاع
الداخلية للبلاد.
كثير من قائمة الـ(16) أعضاء في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي وقد تمّ
انتخابهم في الدورة الثانية للمؤتمر العام الرابع للحزب، وفي حال عودتهم
سيلتحقون باللجنة ولهم دورهم الذي يؤدّونه في المرحلة القادمة. كما يتوقّع
إعادة النظر في بعض التركيبات والتشكيلات القيادية للحزب خاصّة وأن بعض من هم
في القائمة أو خارجها ممّن سيعودون هم قيادات كبيرة في الدولة سابقاً وكان لهم
دور بارز في الحزب سابقاً.
أما على مستوى الحياة الحزبية اليمنية فلا شكّ أن مثل هذا القرار سيكون له
انعكاسات إيجابية لأنه يشيع روحاً جديدة واستعداداً للوقوف أمام القضايا
السياسية الوطنية بشكل عام.
* من الملاحظ وجود تباين في تصريحات قيادات الحزب الاشتراكي (في الداخل)
وتصريحات المشمولين بالعفو إزاء القرار بين مرحّب أو مرحّب بشدة أو متحفّظ.. هل
هذا التباين حول الموضوع المطروح يمكن أن يكون له انعكاسات معيّنة؟
* التباين في وجهات النظر إزاء قرار العفو أمر طبيعي، لكن وكما هو ملاحظ فإن كلّ
وجهات النظر مجمعة على أن الخطوة إيجابية وفي الاتجاه الصحيح، ويمكن الإفادة
منها لكي تكون هناك خطوات أخرى في المستقبل في مجالات الإصلاحات السياسية.
لا أعتقد أن التباين في وجهات النظر الشخصية سيؤثّر تأثيراً كبيراً، فضلا أنه
ليس مطلوباً من أصحاب العلاقة أو قياديي الحزب الاشتراكي أن يكون لهم وجهات نظر
متطابقة إزاء أي موضوع بحكم الطبيعة البشرية والتفكير التعددي.
* هل يمكن أن يؤثر قرار العفو على علاقاتكم المتنامية مع حزب الإصلاح؟
* لا أعتقد أنه سيكون هناك اختلالات في علاقة الحزب الاشتراكي والتجمّع اليمني
للإصلاح، لأن هذه العلاقة نشأت على أساس من القواسم المشتركة في إطار المعارضة،
ومن أجل ترسيخ الفهم الديمقراطي في البلاد. كما لا أظن أن توضع هذه العلاقات
موضع الشكّ لأن المعارضة بكل فصائلها ومنها: الإصلاح والاشتراكي تحتاج أن تصحّح
العلاقات فيما بينها وأن تتجاوز الماضي وتعمل للمستقبل.
كنا ولا نزال ندعو لحوار مع المؤتمر الشعبي العام وبدون اشتراطات، ومثل هذا
التفاهم بين "المؤتمر" من ناحية وبين "الاشتراكي" من ناحية أخرى، أو بين "المؤتمر"
وكلّ فصائل المعارضة مطلوب، لأننا نريد أن نخرج من أجواء التوتر والصراعات
السياسية التي كانت في الفترة السابقة ونؤسّس لعلاقات جديدة بين السلطة
والمعارضة.
* يقال إن قرار العفو جاء في إطار "النكاية" بحزب "الإصلاح"؟
* نحن في الحزب الاشتراكي اليمني نرفض أن نكون وسيلة من وسائل الصراع وتوتير
الأجواء بين فرقاء العمل السياسي ودفع البلاد إلى أجواء أزمات جديدة، وأي تقارب
لنا مع "المؤتمر" أو "الإصلاح" لن يكون على حساب أي منهما، ما يهمّنا هو تطبيع
الحياة السياسية والبحث عن أداء سياسي جديد في بلادنا، وهذا لا يمنع بالطبع من
وجود حزب حاكم وأحزاب معارضة، وتنافس بين الأحزاب في طرح برامجها.