|

































| |
|
شؤون فلسطينية 2 |
|
الهدنة ليست أزمة فلسطينية
بل ورقة قوية بيد المقاومة في مواجهة الاحتلال
رأفت مرّة
أخذ موضوع دعوة الفصائل الفلسطينية لإعلان هدنة مع العدو الصهيوني نقاشاً
عميقاً داخل الأوساط السياسية والثقافية في الساحة الفلسطينية، وباتت مسألة
الهدنة هي القضيّة الأبرز وتحوّلت إلى قضيّة فلسطينية داخلية تزاحم قضايا
المقاومة والانتفاضة والصمود الفلسطيني في مواجهة سياسات شارون التدميرية.
المشكلة التي أثارتها قضيّة الهدنة ليست في النواحي السياسية التي تحكم إطلاق
موقف كهذا، وليست في المبرّرات الشرعية لأحكام المواجهة مع الاحتلال، بل في
تحوّل "الهدنة" أو بالتحديد "النقاش حول الهدنة" من طريقة أو إحدى طرق الصراع
مع الاحتلال إلى مسألة فلسطينية داخلية، حيث جرى ضخّ كمية من المواقف
والتصريحات والبيانات التي حوّلت نقاش القوى الفلسطينية حول إعلان هدنة مع
العدو من نقاش سياسي موضوعي وتحليلي ومعمّق يستند للمصلحة الفلسطينية العليا
إلى أزمة، حيث جرى تصوير أن الواقع السياسي الفلسطيني الحالي يحتّم القبول
بالهدنة مع الاحتلال الإسرائيلي. لا بل إن المواقف السياسية للسلطة وأجواء
حوارات قادة السلطة مع قوى المقاومة في غزّة، جعلت النقاش يصل إلى مرحلة حشر
قوى المقاومة في زاوية إما إعلان هدنة فورية دون النظر إلى المصالح الفلسطينية
ولا إلى المكاسب الناتجة عن موقف تاريخي كهذا، وإما تحمّل النتائج الكارثية
التي يمكن أن تترتّب على عدم الإعلان، لدرجة أن بعض المحاورين بدأ يروّج
للتهديدات الإسرائيلية باقتحام قطاع غزّة إن لم يتم الإعلان عن هدنة.
مفهوم السلطة للهدنة
إن النقاش الذي استخدمه رموز السلطة في الحوارات الفلسطينية كان بعيداً عن
مهنية العمل السياسي التقليدي، التي تفترض النظر في المسبّبات والمبرّرات
والحيثيات والأولويات والمكاسب والخسائر، وهو أمر لم يحدث، فكلّ ما تمّ لم يكن
إلا قيام السلطة بنقل رسائل أميركية وإسرائيلية ومحاولة تبريرها والدفاع عنها،
وقد انكشف هذا الأمر ليس في خطاب العقبة الذي ألقاه رئيس وزراء السلطة
الفلسطينية، بل في عجز أي مسؤول في السلطة عن تقديم أي موقف إسرائيلي واضح لما
بعد الهدنة أو كشف أي إجراء يمكن لحكومة شارون أن تتخذه، أو تقديم معلومة عن
التصوّرات السياسية والأمنية الصهيونية اللاحقة في حال وافقت المقاومة
الفلسطينية على الهدنة.
والمؤسف أن الطريقة السياسية التي تعاطت فيها السلطة الفلسطينية مع موضوع
الهدنة كانت طريقة سيئة بالفعل، فهي حاولت في البداية إظهار موقف متميّز عن قوى
المقاومة، ثمّ إنها –أي السلطة- أعلنت تأييدها للهدنة وراحت تدافع عنها، لا بل
إنها أخذت في ممارسة الضغط على الفصائل الفلسطينية وحاولت الاستقواء بأطراف
خارجية لتسويق وجهة نظرها.
وأسوأ مواقف السلطة الفلسطينية كانت إعطاء مهل محدّدة لقوى المقاومة لإعلان
الهدنة، كما أشار محمد دحلان في تصريحات له يوم الأحد 22/6/2003. مع العلم أن
العدو الصهيوني نفسه لم يلتزم بموعد محدّد لتنفيذ أي بند من "خارطة الطريق"،
والراعي الأميركي كذلك رفض الحديث عن مهل زمنية لأي بند يتعلّق بالانسحابات أو
الالتزامات الإسرائيلية. وبهذه السياسة تكون السلطة الفلسطينية قد ساهمت في
حالة الضغط التي سيطرت على الشارع الفلسطيني.
لذلك كان من الحكمة بمكان الموقف الذي اتخذته حركة حماس والذي رفضت فيه إعلان
موقف واضح من مسألة الهدنة في ظلّ المناخ المتوتّر، خصوصاً وأن العدو الصهيوني
يقوم بعمليات قصف واغتيال وتدمير يومية ضدّ الفلسطينيين. فكيف يكون أحد أطراف
المعادلة مطلق اليدين في حين يجب تقييد يدي الطرف الآخر؟,
الاستغلال الصهيوني للهدنة
الأمر المؤسف أيضاً أن النقاش الفلسطيني الذي ساهمت به أطراف كثر دخل في متاهة
إعلان أم عدم إعلان هدنة، دون أن يسمح أحد في السلطة لنفسه أو للآخرين في
مناقشة المكاسب الإسرائيلية الكثيرة الناتجة عن إعلان الهدنة، باستثناء ما
أوضحته حماس وحرصت على إبرازه بعض القوى الأخرى.
فتاريخ الصراع مع العدو الصهيوني يثبت أن هذا العدو لم يلجأ إلى الهدنة ولم
يطلب وقفاً لإطلاق النار، إلا بعد أن يكون قد تلقّى خسائر باهظة وتعرّض لأضرار
كثيرة ولحقت به الهزائم على أكثر من جهة. ومراحل الصراع مع العدو الصهيوني تظهر
أن هذا العدو كان واضحاً جداً في طلب الهدنة في أكثر من واقعة عسكرية انتهت
بفشله، والكل يتذكّر مجريات حرب 1948 حين كان العدو يسارع إلى طلب الهدنة حين
تكون مستوطناته آيلة للسقوط، كما أن العدو طلب الهدنة في تموز/يوليو عام 1981
حين كانت صواريخ المقاومة تسقط على المستوطنات، وكرّر الطلب نفسه عام 1996
(تفاهم نيسان) حين كانت صواريخ المقاومة اللبنانية تحرق مستوطناته. لا بل إن
هذا العدو حرص أثناء انسحابه من لبنان عام 2000م على طلب تعهّد من حزب الله عبر
وسطاء كي يتمنّع الحزب عن قصف قواته المنسحبة.
إذا.. لماذا يجهد العدو نفسه هذه المرّة في طلب هدنة مع قوى المقاومة وإن كان
يريدها من طرف واحد. الجواب طبعاً في الشارع الصهيوني الذي خسر حتى كتابة هذه
السطور أكثر من 805 قتلى وفشل في منع الهجمات الفلسطينية ويعاني من مشاكل
اقتصادية متأزمة.
أما السؤال المرتبط بما جرى التطرّق إليه سابقاً فهو إلى أي حدّ أضرّت مشاريع
الهدنة في الصراع مع العدو إلى إلحاق الخسائر بالأطراف العربية؟
فكلّ مراحل الصراع تثبت أن الهدنة لم تكن في أي يوم لصالح الأطراف العربية، بل
إن العدو استطاع بما يملك من أدوات ذاتية ودعم دولي خارجي الاستفادة من الهدنة
وتحويلها إلى مكاسب خاصّة به. فخلال حرب عام 1948- 1949 استغلّ العدو الهدنة
للتزوّد بالسلاح والمؤن، وانتهز الفرصة لإعادة ترتيب قواته وتطوير أسلحته
واستقدام الجنود، مما مكّنه لاحقاً من تنفيذ مشروعه في الهيمنة والاحتلال. ومن
خلال مشاريع الهدنة مع الدول العربية المجاورة لفلسطين، استطاع العدو فرض
الاعتراف العملي بوجوده ودفع الآخرين للإقرار باحتلاله لفلسطين، ومنع الدول
العربية من "الاعتداء" عليه. لا بل إن اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية منعت
المقاومين الفلسطينيين من استهداف الاحتلال الإسرائيلي انطلاقاً من الدول
العربية، ومنعت اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم، وبات على جيوش
الدول العربية حماية الحدود الصهيونية.
وخلال الحروب العربية الإسرائيلية في أعوام 1967 – 1973 ماطل العدو الصهيوني
كثيراً في إعلان وقف لإطلاق النار حتى يتسنّى له الإجهاز على الجيوش العربية،
وحظيت هذه المماطلة بدعم دولي معروف.
وفي عام 1982 أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت تخطّى العدو الصهيوني الهدنة
الموقعة برعاية المبعوث الأميركي فيليب حبيب وأمر بيغن وشارون قواتهما باحتلال
بيروت وارتكاب مجازر بشعة بحق المدنيين، مع العلم أن هذه الهدنة حظيت بموافقة
دولية وانتشرت حينها قوات أميركية وفرنسية وإيطالية حول المخيّمات.
وفي لبنان أيضاً تجاوز العدو الصهيوني خطوط الهدنة المتّفق عليها دولياً واعتدى
على لبنان أكثر من مرّة، ثم إنه لم يحترم قوات الطوارئ الدولية المنتشرة في
الجنوب.
وتثبت الأحداث أن العدو خرق الهدنة المسمّاة تفاهم نيسان 1996 وقصف الأحياء
السكنية ودمّر المرافق الاقتصادية في لبنان. ولا تزال الحدود المصرية إلى اليوم
تتعرّض للاختراقات الإسرائيلية، إذ في الأشهر الماضية جرح أكثر من جندي مصري
برصاص إسرائيلي، وخرق العدو الأراضي المصرية بحجّة البحث عن مقاومين. وعلى
الحدود السورية تجاوز العدو الصهيوني خطوط الهدنة من العام 1949 وصادر الأراضي
واعتدى على المزارعين وسلب المياه.
هل الهدنة حقيقية؟
كلّ هذه الوقائع تُدخلنا في السؤال الأساسي حول ما يريده العدو في هذا الظرف
بالذات. الجواب بات معروفاً ويتردّد علناً على ألسنة المسؤولين الصهاينة.
فالعدو لا يريد وقفاً لإطلاق النار ولا هدنة متبادلة مع "خصومه"، بل يريد تحقيق
ما يلي:
* وقف كامل لعمليات المقاومة الفلسطينية ضدّ الاحتلال.
* أن يشمل هذا الوقف كلّ الأراضي في فلسطين المحتلّة عامي 1948 و1967.
* تتحرّك قوات السلطة الفلسطينية للقضاء على المقاومة وتدمير بنيتها التحتية.
* نزع سلاح المقاومة بالكامل وخلال أيام قليلة.
* (إسرائيل) تساهم في ذلك وتتعاون مع السلطة عبر قصف أهداف المقاومة واغتيال
كوادرها.
* (إسرائيل) تريد حرباً حقيقية على قوى المقاومة.
فوزير الحرب الصهيوني شاؤول موفاز اعتبر في 27/5/2003 أن موافقة حكومته على
"خارطة الطريق" هي لنقل الكرة إلى الملعب الفلسطيني، وكرّر وزير خارجية العدو
سليفان شالوم يوم 17/6/2003 أمام المبعوث الأميركي جون وولف أن حكومته مصرّة
على وجوب صِدام السلطة الفلسطينية مع منظّمات المقاومة.
وكان عاموس جلعاد الذي يرأس المحادثات الأمنية مع السلطة الفلسطينية واضحاً في
رفض حكومته للهدنة حيث قال: "إن أي هدنة مؤقّتة مع الفصائل الفلسطينية سيكون
لها أثر عكسي على الجهود الرامية لتعزيز خارطة الطريق". أضاف "إن الهدنة مصطلح
ديني إسلامي يقضي من وجهة نظر حماس أن تعيد بناء قوّتها لكي تنفّذ بعد ذلك
أعمالاً أكثر خطورة". واستطرد قائلاً "إنهم لا يتحدّثون عن وقف الإرهاب، بل عن
وقف مؤقّت مشروط لإطلاق النار بحيث يمكنهم خرقه في أي وقت". وقال جلعاد إنه
عندما تقبل السلطة الفلسطينية تولّي السيطرة الأمنية في شمالي غزّة وبيت لحم
فستعطيها (إسرائيل) ثلاثة أو أربعة أسابيع لتنظيم حملتها ضدّ الفصائل المسلّحة.
موقف المقاومة
وإذا كانت المقاومة الفلسطينية قد أشارت إلى استعدادها لدراسة فكرة الهدنة
وأجرت نقاشات متعدّدة حول أسباب ومراحل وتداعيات قرار كهذا، فإن هذه الفصائل
مجمعة على اتخاذ قرار يعود بالفائدة على الشارع الفلسطيني بحيث يكون قرار
الهدنة مع الاحتلال إحدى خطوات تساهم في حماية المنجزات الفلسطينية ومنح مكاسب
للمجتمع الفلسطيني وتوفير حصانة للمواطن الفلسطيني من أي اعتداءات صهيونية.
وإذا كانت شروط الفصائل للهدنة معروفة ومطالب قوى المقاومة واضحة، فإن ذلك يشمل
فكّ الحصار وانسحاب الاحتلال وحماية المدنيين وإطلاق الأسرى ووقف الاستيطان. أي
بشكل واضح إن المقاومة ترفض أن تكون مكاسبُ الهدنة إسرائيليةً فقط، بل تصرّ على
مكاسب فلسطينية مقابلة. وهو ما يصطدم مباشرة بالموقف الإسرائيلي الذي يصرّ على
أن يدفع الشارع الفلسطيني وحده فاتورة أمن المجتمع الصهيوني، بينما يكون
المواطن الفلسطيني عرضة للقتل والاغتيال في أية لحظة.
إن النقاش حول الهدنة يستوجب طرح الأسئلة التالية: هل يقبل العدو بهدنة مؤقّتة،
وهل يقبل بالتبادلية وبالجداول الزمنية، وهل يقبل الاحتلال بتجزئة الهدنة أي
فصل العمليات في الأراضي المحتلة عام 1948 عن 1967، وهل يقبل العدو بوقف القتل
والاغتيال، وهل يقبل بردّ فلسطيني على الانتهاكات الإسرائيلية؟ وإذا كان الجواب
معروفاً بالنفي، فعن أي هدنة نتحدّث إذاً؟
|
| |
|