قبسات
اعتماد الإحصاءات سلاح ذو حدّين
تستخدم الإحصاءات والاستفتاءات وعمليّات قياس الرأي العام في الغرب لاستخراج
الرأي العام تجاه قضيّة أو رأي، وهذا هو هدفها الذي سُمّيت بسبب استشرافها
النتائج قبل الانتخابات "انتخابات استباقية".
ولمّا كانت الإحصاءات والاستفتاءات سلاحاً فعّالاً تستفيد منه الجهة، فقد تمّ
استخدامه في الشرق سلاحاً ضدّ الآخر، بعد توجيهه وترويضه بالإعلام، وربما
تزويره، أو حتى الاستفتاء اختيارياً وليس عشوائياً.
وقد أنشأت الجهات المختصّة هيئات خاصّة فيها لمتابعة توجيه الاستفتاءات عبر
صياغة السؤال بشكل يحمل جوابه في ثناياه، كسؤال: هل تؤيّد الإرهاب؟، وهو سؤال
بديهي لا يمكن الإجابه عليه بنعم أو لا فقط، دون مقدّمة.. خاصّة إذا كان مفهوم
الإرهاب عند السائل غير مفهومه عند المتلقي.
أخبرنا أحد المطّلعين على الاستفتاءات التي تجري في فلسطين –وهي طريقة أخرى في
التوجيه- أنه يتمّ جمع الأشخاص القائمين على تعبئة استمارات الأسئلة، وتوجيه
"إرشادات" من أجل سلامة الاستفتاء. فتتضمن التوجيهات لفريق العمل بعدم توجيه
الأسئلة قرب المساجد، لأن ذلك يخلّ بالتلوّن المطلوب، وعدم سؤال فتاة أو امرأة
محجّبة في الطريق لأن في ذلك خطر على السائل من قبل ذويها (بسبب "التعصّب"
الاجتماعي!).
وهكذا يتمّ توجيه فريق العمل لتجنّب الإسلاميين وإخوانهم في الاستفتاء، ورغم
ذلك تأتي متقاربة، ففي مثل تلك الإحصاءات تتنافس "فتح" و"حماس" على المقدّمة،
ويتأخّر الآخرون عنهما.
لذلك تصرّ الجهات التي تشعر بالغبن على أن هذه الإحصاءات لا تمثّل الرأي العام
الفلسطيني، وأن خير من يمثّله هي الانتخابات الحرة المباشرة التي تضمن مشاركة
الجميع برعاية محايدة، وهذا ما حصل في انتخابات الأنروا الأخيرة (راجع النتائج
في مكان آخر من المجلّة). ولئن كانت الجهات الرسمية تصرّ على أن الانتخابات
الرئاسية والتشريعية مقياس، فإن الفصائل الأخرى تنكره، لأنها لم تشارك به
وتطالب بانتخابات بلدية يشارك فيها الجميع، وهو ما رفضته السلطة وأجّلته أكثر
من مرّة، بسبب معلومات استقتها من إحصاء أجرته بهذا الخصوص.
وبقدر ما تؤثّر الاستفتاءات بالتوجيه السياسي وحتى الفكري لدى الأحزاب
الأوروبية (كما حصل مع الحزب الشيوعي الإيطالي في نهضته بالسبعينات)، فإنها
تزيد من إصرار القوى الفاعلة على تعنّتها وإصرارها. بل وتجري إحصاءاتها
الخاصّة.
هذه الإحصاءات الخاصّة تجلّت في الإحصاء الذي أجرته جامعة بيرزيت مؤخّراً،
والذي روّج له أبو مازن وبعض الفضائيات العربية، والذي يزعم أن أكثر من 70% من
الفلسطينيين يؤيّدون "خارطة الطريق". وقد استغلّت السلطة هذا الإحصاء قبل أن
يكتشف بطلان مفعوله بإحصاء أجراه "مركز القدس للاستطلاعات"، والذي يدرس الرأي
العام منذ عشر سنوات، وجاء في استطلاعه أن التأييد لفتح يتراجع في ظلّ تصاعد
شعبية التيار الإسلامي في فلسطين.
تُرى، هل يُعقل أن يكون إحصاء جامعة بيرزيت حقيقياً؟ فالجامعة التي طردت رئيس
الوزراء الفرنسي السابق ورمته بالحجارة والبيض بسبب تصريحاته ضدّ المقاومة، لا
يمكن أن تخرج من هذه النتائج لولا وجود بعض المتنفّذين المحترفين في تزييف
الإحصاءات، من توجيه فرق العمل والأسئلة واختيار العيّنة حتى تزوير الأوراق
والحقائق.
فأي مرحلة من مراحل التوجيه اتّبعوا؟ ربّما كلّها!.
المحرّر الثقافي
أصداء
ضياع الأمانة
العلمية
روى أحد مخرجي الأفلام الوثائقية الفلسطينيين، وله علاقة بمؤسّسات فنية غربية
قصّة أثارت دهشة الحضور، حول النظرة المسبقة.
فقد كلّفته إحدى المخرجات الأوروبيات أن يصوّر لها مشاهد الأطفال من مخيّم
شاتيلا في بيروت يلعبون في أزقّة المخيّم.. فقام بما طلبته وأرسل إليها أفلاماً
عن أطفال يلعبون كرة القدم في الطرقات وآخرين يحملون الحقائب المدرسية.
ولأن لديها الصورة المسبقة لم تصب هذه الأفلام في المجرى الذي يسير فيه تفكيره،
فأعادت الطلب مرّة أخرى وبصراحة، تريد تصوير أطفال يلعبون "لعبة الحرب"، بأسلحة
خشبية. فردّ عليها المخرج بأن الطفل الفلسطيني مثل غيره من أطفال العالم، يريد
أن يعيش الحياة كما يعيشها الآخرون، ولكنها أصرّت على هذه الصورة، ولو كانوا
يمثّلونها، فقال لها: بإمكانك أن تحصلي عليها عبر أطفال يمثّلونها عندكم في
أوروبا.
ليس من الأمانة العلمية أن يقوم الكاتب أو المخرج بإنتاج مادّته بناء على نظرته
المسبقة، إلا أن هذا الأمر بات شائعاً جداً في الأوساط الثقافية، وهذا ما أكدّ
خطورته الباحث الفلسطيني الدكتور سلمان أبوستّة، حيث أعلن أنه تلقّى عرضاً
بكتابة بحث من عشر صفحات مقابل ثلاثة آلاف دولار، يثبت فيها رأياً للمؤسّسة
التي طلبت البحث، ولأنه لم يقتنع بالموضوع وبالهدف المطلوب منه –أي الترويج
لثقافة التسوية بأي ثمن- رفض الموضوع وردّ الرسالة والعرض.
والأسوأ في الأمر أن الجهة التي طلبت البحث كانت هذه المرّة.. فلسطينية!!.
|