| أهمية
القراءة الأدقّ لقمّتي شرم الشيخ والعقبة
منير شفيق
عندما أخرجت اللجنة الرباعية "خارطة الطريق" أرادت منها الولايات المتحدة
أن تكون عامل تهدئة وتخدير للوضع العربي من أجل تمرير الإعداد للعدوان على
العراق. وكان رئيس الوزراء البريطاني قد لعب دوراً أساسياً في إقناع إدارة بوش
بضرورة إظهار الاهتمام بالموضوع الفلسطيني. ومن ثم أقنعه بقبول مشاركة روسيا
وأوروبا والأمم المتحدة إلى جانب أميركا في صوغ ما عرف باسم "خارطة الطريق"،
وذلك لامتصاص النقمة بسبب الإعداد للحرب.
ما إن صدرت الخارطة حتى وُضعت على الرفّ إلى أن تفرغ أميركا من موضوع العراق.
وبالفعل ما كادت تُحتل الأرض العراقية وتفتح جبهات جديدة شملت سوريا ولبنان
وإيران، مهدّدة كل من لا يرضخ لإملاءاتها بمصير مثل مصير النظام العراقي، حتى
أعادت إنزال "خارطة الطريق" من الرفّ ليبدأ الحديث عن اهتمام بوش بتنفيذها.
ولكن كانت هنالك معارضة إسرائيلية قوية ضدّها، ليس بسبب "توازنها"، أو بسبب عدم
تلبيتها لبعض المطالب الإسرائيلية، وإنما لأن الدولة العبريّة تريد إضافة مائة
تعديل عليها، وقد لخّصتها بأربعة عشر تعديلاً، الأمر الذي فرض على إدارة بوش أن
تتعهّد بمراعاة هذه التعديلات عند تطبيق الخارطة، حتى أمكن أن يعطي شارون
"موافقة" حمّالةَ أوجهٍ على الوثيقة، وهي موافقة مشروطة وغير صريحة، ومرتبطة
بالمفاوضات على كل بند من بنودها، وبرعاية أميركية منفردة، أي باستبعاد الأطراف
الأخرى: أوروبا وروسيا والأمم المتحدة.
وبهذا تكون "خارطة الطريق" قد أصبحت شيئاً آخر تماماً، أو بعبارة أخرى غدا
التفاوض يدور على "خارطة ثانية" مختلفة جوهرياً حتى عن الأولى، أي خارطة
إسرائيلية إلى حدّ بعيد. ومن ثمّ لم يبقَ من الخارطة الأولى غير اسمها والادعاء
أنها رباعية، واستخدامها غطاء لتمرير البنود الأربعة عشر الإسرائيلية، أميركا
وافقت على اثني عشر بنداً منها وأجّلت البتّ بالبندين الأخيرين للمرحلة اللاحقة
على أمل إيجاد صيغ خلاّقة لتمريرهما.
ضمن هذا التغيّر عُقد مؤتمرا شرم الشيخ والعقبة، ولهذا من الخطأ التوهّم أنهما
عُقدا لإيجاد سبل تطبيق "خارطة الطريق" الرباعية. ثم يجب أن يضاف إلى ذلك أن
بوش حمل في جعبته لمؤتمر شرم الشيخ مشروعاً للتطبيع العربي الفوري وإعادة سفراء
مصر والأردن، وضغطاً لحشد عربي ضدّ حماس والجهاد وكتائب الأقصى والأجنحة
العسكرية لفصائل المقاومة الأخرى، وذلك بإدراج منظّمات المقاومة الفلسطينية
وحزب الله في دائرة الإرهاب، فضلاً عن انتزاع تأييد عربي للاعتراف بمحمود عباس
بديلاً لياسر عرفات. بيد أن بوش فشل في تحقيق كل ذلك على الرغم من انتزاع
تراجعات عربية وفلسطينية هامّة. فالتطبيع الفوري وإعادة السفراء واجها معارضة
تحت حجّة أن من غير الممكن اتخاذ هذه الخطوات قبل تنفيذ "خارطة الطريق". ولكنه
استطاع أن يدحر المشروع العربي الذي قرّرته قمّة بيروت مما يسجّل تراجعاً
عربياً مقابل تراجع بوش في موضوع التطبيع. أما من جهة أخرى فقد نجح في انتزاع
تعريف للإرهاب سمح لبعض المعلّقين باعتباره تراجعاً عربياً عن التفريق بين
الإرهاب ومقاومة الاحتلال، وترك الباب مفتوحاً للتأويل كما يطالب بوش وشارون.
ولكنه من جهة أخرى فشل في إدراج أسماء حماس والجهاد وكتائب الأقصى كما حزب
الله، الأمر الذي يجب أن يسجّل في منزلة من التراجع الأميركي بين منزلتين. هذا
ولم يستطع بوش أن يفرض التزاماً عربياً ضدّ ياسر عرفات إذ خرجت الصيغة الوسط
التي ربطت الالتزام العربي بدعم السلطة الفلسطينية عموماً، ولكنه تمكّن من
استبعاد ياسر عرفات من المشاركة في المؤتمر وإعطاء نوع من الدعم لمحمود عباس.
وخلاصة، يجب أن يُرفض ما قُدّم من تنازلات عربية وفلسطينية في شرم الشيخ
والعقبة. ولكن يجب أن يُرى، في الوقت نفسه، أن بوش لم يستطع أن يحقّق كل ما
يريد حتى في قضايا أساسية بالنسبة إليه مثل التطبيع الفوري والمشاركة في الحرب
القذرة التي تشنّها الولايات المتحدة الأميركية ضدّ حماس وحزب الله والجهاد
وقوى المقاومة المختلفة. وهي بالفعل حرب ضدّ الشعب الفلسطيني كلّه.
وهنا تبرز أهميتان في هذا التحليل للقمّتين: أولاهما هو الإثبات أن بإمكان
العرب والفلسطينيين أن يفرضوا على بوش التراجع حين يثبُتون على الموقف
ويهدّدون، كما فعل ولي عهد السعودي الأمير عبد الله عندما همّ بمغادة شرم الشيخ
إذا أصرّ بوش على موضوع التطبيع الفوري. وكذلك الموقف من موضوع ذكر حماس بالاسم
ونزع الاعتراف بياسر عرفات، الأمر الذي يؤكّد الخطأ الفادح الذي ارتُكب في
تقديم التنازلات الأخرى مثل ما قدّم من تعريف للإرهاب والتخلّي عن الموقف
العربي، على هزاله، من موضوع المبادرة العربية في قمّة بيروت، أو القبول
بالاستفراد برئيس الوزراء الفلسطيني في قمّة العقبة وإملاء خطابه عليه.
أما الأهمية الثانية فتكمن في إسقاط الحرب النفسية التي تعتبر أن الجميع مستسلم
استسلاماً كاملاً لأميركا وليس ثمّة إمكان بقول "لا" لها، أو ممانعتها أو
مقاومتها. ومن ثم ابتزاز الفلسطينيين والعرب وجعلهم يقدّمون التنازلات المجانية
بلا أساس من ميزان القوى السياسي العربي والإقليمي والعالمي.
ولهذا من المهم جداً أن يدرك كل من يتعاطى بالشأن الفلسطيني ومن يواجه
التهديدات الأميركية أن إدارة بوش أضعف مما يصوّرونها. ويكفي أن تلحظ الحقائق
التالية:
1- الورطة التي يواجهها كل من الرئيس الأميركي بوش ورئيس الوزراء البريطاني
توني بلير في اتهامهما داخل بلديهما بالكذب على شعبيهما، في أمر أسلحة الدمار
الشامل في العراق حيث لم يُعثر لها على أثر. وقد أصبح العراق محتلاً شبراً
شبراً.
2- اندلاع مقاومة سلمية واسعة ضدّ الاحتلال الأميركي للعراق مقرونة بإرهاصات
مقاومة مسلّحة أخذت سياسات الاحتلال تدفع إلى تطويرها بسرعة فائقة.
3- الوضع الأميركي أمام المقاومة للاحتلال في أفغانستان آخذ بالتدهور حتى في
مستوى سيطرته على كابول، فكيف بغالبية المناطق الأفغانية التي أخذت تشهد وضعاً
شبيهاً بالوضع الذي ساد بعد انسحاب السوفيات.
4- صحيح أن المناخ الدولي اتجه إلى الخروج من الأزمة التي عصفت في علاقات
أميركا بكل من فرنسا وألمانيا وبلجيكا وروسيا والصين، وأخذت تظهر علامات مصالحة
ومساومات، إلا أن ذلك لم يغيّر من التناقضات الأساسية التي ولّدت الأزمة
السابقة شيئاً. الأمر الذي يفترض عدم الانخداع بما يظهر على السطح، والتأكّد من
أن الصعوبات التي تواجه أميركا دولياً ما زالت قائمة وفي طريقها للتزايد، وإن
اتخذت أشكالاً أخرى تحت الرغبة في التفاهم.
هذا ويجب أن يسجّل هنا أن فتح أميركا في آن واحد لجبهات عدّة ضدّ سوريا ولبنان
وإيران فضلاً عن العراق سيزيد من تعقيد وضعها وإضعافه. فكما في الساحة
الفلسطينية حيث راحت الأمور تتعقّد في طريقها، وفي وجه "خارطة الطريق"، بسبب
الانقياد الأميركي الأعمى وراء المطالب الإسرائيلية بالكامل، فإن وضعها سيتعقّد
ويضعف أكثر فأكثر، في كل الجبهات الأخرى من لبنان وسوريا إلى إيران مروراً
بالعراق.
"خارطة الطريق" أصبحت شيئاً آخر تماماً، أو بعبارة أخرى غدا التفاوض يدور على
"خارطة ثانية" مختلفة جوهرياً حتى عن الأولى، أي خارطة إسرائيلية إلى حدّ بعيد
فتح أميركا في آن واحد لجبهات عدّة ضدّ سوريا ولبنان وإيران فضلاً عن العراق
سيزيد من تعقيد وضعها وإضعافه
|