|

































| |
|
الخطايا الكبرى في خطاب محمود عباس
في العقبة |
ليس من قبيل المبالغة وصف الخطاب الذي ألقاه محمود عباس رئيس الوزراء الفلسطيني
في قمّة العقبة يوم الأربعاء 4-6-2003، بأنه أسوأ وأخطر خطاب سياسي فلسطيني
رسمي تم تقديمه منذ نشأة منظمة التحرير الفلسطينية. والمتأمّل بتمعّن وعمق في
ما ورد من نصوص في الخطاب المذكور، يمكن له أن يقف على نصوص خطيرة في مضامنيها
والتبسيط لما جاء في الخطاب، باعتباره خطاب "علاقات عامّة" يستهدف كسب الموقف
الأميركي والرأي العام الدولي في مواجهة شارون، ومحاولة فكّ عرى "التحالف"
الأميركي – الصهيوني، عبر خطاب "مرن" و"مقبول" يُظهر "إنسانية" محمود عباس
وحكومته الجديدة، ورفضهم "العنف" و"الإرهاب"!
إن خطاب عباس هو خطاب سياسي ستحاسبه الإدارة الأميركية على كلّ كلمة وعبارة
وردت فيه، وبالتالي فإن التعهّدات التي قطعها على نفسه أمام جورج بوش والإرهابي
أرييل شارون والتي سجّلت بالصوت والصورة – سيطالب بتنفيذها نصاً وروحاً، وأية
محاولة منه للتهرّب من تطبيقها، تعني أن يُوصم بـ"الكذب" و"التحايل" وتشجيع "الإرهاب"
وغيرها من التهم، فيكون مصيره "الإقامة الجبرية" مثل رئيسه ياسر عرفات الذي
نالته الاتهامات المذكورة قبله!
أما إذا كان محمود عباس يعني ما قاله وتعهّد به في العقبة، فإن ذلك يعني أنه
قبل لنفسه بأن يقوم بدور "الشرطي" و"الحارس" لأمن (إسرائيل)، وهي المهمة التي
قام بها جبريل الرجوب ومحمد دحلان وغيرهم من قادة الأجهزة الأمنية في السنوات
الأولى من تطبيق اتفاقيات أوسلو، ولكنهم فشلوا فيها، فكان أن انقلب "الإسرائيليون"
عليهم وعاقبوهم بتدمير أجهزتهم الأمنية، واجتياح المناطق التي وكّلوا بحمايتها،
ليقوم جيش الاحتلال وأجهزته بهذه المهمة بشكل مباشر!
هل يريد عباس تكرار التجربة مرّة أخرى معتمداً على التأييد الأميركي والأوروبي
والإقليمي، وعلى الدعم المالي الذي حظي به دحلان لإعادة بناء الأجهزة الأمنية
المدمّرة؟!
هل يريد إثبات أنه قادر أكثر من عرفات على وضع "نهاية كاملة للعنف والإرهاب"
وأن هدفه المذكور واضح –خلافاً لرئيسه– وسيطبّقه "بحزم وبلا هوادة"؟!
يخطئ محمود عباس إذا توهّم للحظة واحدة أن جورج بوش -الذي يمشي مختالاً في
الأرض بعد عدوانه على أفغانستان والعراق-، سيحرّر له الأرض الفلسطينية أو بعضها
من إرهاب "شارون"، كما "حرّر" الشعب العراقي من "دكتاتورية" صدّام حسين!...
ويخطئ إذا ظنّ أن بكاءه على "عذابات اليهود على مَرّ التاريخ"، التي حان "الوقت
لإنهاء كلّ هذه المعاناة"، ستشفع له إن لم يعمل على إنهاء تلك المعاناة وفقاً
للفهم الأميركي - الصهيوني لها، والذي يتمثّل بتصفية الانتفاضة والمقاومة!
كما يخطئ إذا اعتقد أن "إزالة كلّ أشكال الحقد والأذى والتحريض الرسمي في الكتب
المدرسية وفي وسائل الإعلام"، ستعني نهاية للتحريض على "العنف والكراهية"، التي
تعهّد بأن يعمل ضدّها، ذلك أن ممارسات الاحتلال وجرائمه اليومية، التي يعيشها
المواطن الفلسطيني ويشاهدها، هي أكبر محرّض ضدّ هذا الاحتلال!
إن خطاب عباس يحتوي على خطايا وليس مجرّد أخطاء، وأول هذه الخطايا هي نزع
الشرعية عن المقاومة الفلسطينية ضدّ الاحتلال، ووصفه لتلك المقاومة الباسلة
والشريفة بـ"الإرهاب"، وثانيها تحميل الشعب الفلسطيني المظلوم والضحية مسؤولية
عذابات اليهود ومعاناتهم، وثالثها: إدانته للمقاومة الفلسطينية دون تمييز بين
المقاومة ضدّ العسكريين والمستوطنين، وبين المقاومة ضدّ ما يسمّى بـ"المدنيين"،
ورابعها إعلان الاستعداد لقمع فصائل المقاومة والتحريض عليها بالطلب أن يتم منع
المساعدات المالية والعسكرية عنها... تلك أبرز الخطايا التي وردت في الخطاب،
أما ما تجاهله الخطاب مع سبق الإصرار والتعمّد فيمثّل الخطايا الكبرى، حيث لم
يرد فيه أي ذكر لحدود الدولة الفلسطينية المنشودة ولا لعاصمتها القدس، كما لم
يرد أي ذكر لحقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، وتم تجاهل ما
يقارب ثمانية آلاف أسير معتقل في سجون الاحتلال، ولم يطالب الخطاب بتفكيك
المستوطنات التي لم يتوقف بناؤها لحظة واحدة، ولا هدم "السور والجدار الفاصل"
الذي يعيد إلى الأذهان "جدار برلين". كلّ تلك القضايا سكت عنها الخطاب المشؤوم
لأسباب تتعلّق بالحفاظ على "مشاعر" بوش وشارون، حتى لا يُستفزا من ناحية، وحرصاً
على كسبهما، وخطب ودّهما من ناحية أخرى. أما مشاعر أهالي وأسر الشهداء الذين
سالت دماؤهم على ثرى فلسطين المباركة، ومشاعر أهالي وأُسر الأسرى والمعتقلين في
سجون الاحتلال، ومشاعر الشعب الفلسطيني المرابط على أرضه، الصابر على المعاناة
والآلام والعذابات، فكلّها لا قيمة لها، ولا بواكي عليها!
نصيحتنا التي نسوقها للسيد محمود عباس أن يكون "واقعياً"، فيقرأ جيداً تجارب
حركات التحرّر من الاستعمار، ليدرك أن الطريق إلى النجاة من الاستعمار
والاحتلال لن يكون منحة أو منّة من المستعمر نفسه، وإنما بوابة الخلاص
والانعتاق والتحرّر من العبودية والطغيان والاحتلال هي المقاومة لا غيرها.
ونذكّره بقوله سبحانه وتعالى {ومن يتولّهم منكم فإنه منهم}.
التحرير
|
| |
|