|
يا شيخنا!
تكتبها: جهاد الرجبي
من يقطف زهرة النار تحترق يده، والدم الهارب
من تفحُّم العروق لها رحيق! يغريه الشيطان بدفئها فتوجعه، ويفرّ الزمن من بين
أصابعه المشتعلة وقد التصقت بأوراق الزهرة النهمة.. حيران لا يدري سبيلاً
للتراجع بيمين محترقة! ويخيفه اشتعال ما تبقّى من الجسد!
عن أي شي تحدّثنا يا شيخنا وقد تبددت الغيوم، وتكاد تفرّ من فوق رؤوسنا حبات
المطر؟ وبأي صبح تعدنا ونحن نوغل في ظلمة أعماقنا، ونسافر عبر خطايانا إلى
حجارة صدورنا، ويفرحنا أنها لا تتكسّر!
يوجعني يا ربيع الصبر أنك تئن وتبتسم! ويفضحني الدمع حين تنحني بعينيك سجوداً،
أرتعش لكلمات الله وهي تمطرنا رهباً، واستسلم لسكينة الرجاء وهي تعد بالمغفرة..
فاستغفروا! يا خير أمّة أخرجت للناس استغفروا الله لعلّ سماءكم تمطر! لعلّ
أرضكم تزهر، ولعلّ أرواحكم تضيء، فتبصرون الطريق إلى الله وقد اكتمل الوعد،
وانتشر عبير الزهر الذي لا تجف أوراقه، ولا يطاله الحريق..
نيام في الليالي المضيئات! وكسالى والجائزة على مقربة! حيارى ودليلكم قبضة في
الصدور بإذن الله تهديكم، فتضلون أنفسكم بأمانيّ يزيّنها لكم الشيطان، ويغويكم!
فاستغفروا الله مع كل قطرة دم تروي تراب الأقصى المكبّل بالسلاسل، استغفروا
الله مع ارتعاش الأرامل وهنّ ينفخن على قدور فارغة لعلّ النوم يسكن العيون
المحدّقة بارتعاش النار والجسد! استغفروا الله والأرض تخضرّ من تحت قدمي فتى
تحزّم بالموت مبتسماً وهو في مستقرّ يقينه يكبّر! استغفروا الله ونساء
المجاهدين ينثرن الصبر رذاذاً من نعاس وياسمين.. استغفروا الله حين يشتدّ في
صدور أسرانا الحنين، ويتشقق الوجد بقسوة القضبان وهي تحتجز الصوت واشتعال
الكلام.. استغفروا الله حين يهتزّ الكهل تحت زيتونة عمره وهو يحتضن أشلاءها غير
بعيد عن عدوه ولا يملك غير البكاء، استغفروا الله والرصاص يمزّق أطفالنا من على
أبواب المساجد لا ذنب لهم غير أنهم على طريق الهدى وقد تطهّرت جباههم بالسجود..
استغفروا الله يا من تجلسون في دفء البيوت، والبرد يخيّم في عظام من تشتّتوا في
العراء بالخيام! استغفروا الله.. ولا تقابلوا الصوم بالنوم، والحياة بالموت!
يا شيخنا وحدّثنا عن العراق! عن أرض تنبت العطر والرجال، عن شمس كريمة تهب
الضياء لمن حمل سلاحه حين تنكّس مع الهامات السلاح.. حدّثنا عن أيد تطلق
الصواريخ والرصاص، وتعدّ الكمائن لمن اقتحم البيوت متكبّراً، متجبّراً،
ومحتقراً أمّة الإسلام.. حدّثنا عن وجوه الأمريكيين وقد تلوّثت بالدمع والغبار،
عن قتلاهم! عن الخوف في عيونهم وتكاد تفرّ منها الحدقات! عن أمنياتهم بالعودة
والهروب من جحيم العراق! حدّثنا عن الصبر حين يجابه القهرَ ويرتدي عباءة
الصمود.. عن الصوم مع رائحة البارود ودعاء الأمهات بالثبات.. وعن عيد يهديه
الشهداء للمنتظرين على بوابات الخلود بالسلاح، يلوّحون للصاعدين.. دمع في
عيونهم، والدفء ملء الصدر غير أن القلب يرنو للسماء!
حدّثنا وحدّثنا وحدّثنا.. يا شيخنا! لعلّنا نلبّي النداء..
|