معاداة السامية
وسيلة لاتهام منتقدي السياسة الإسرائيلية
القاهرة/حمدي عبد
العزيز
اتسمت ممارسات اليمينيين الأمريكيين والصهاينة في الآونة الأخيرة بالإزدواجية
الفاضحة، حيث قاموا بتصعيد حملاتهم العدائية ضد العرب والمسلمين، بل والإسلام
كدين، ورفضوا في آن انتقادات إسلامية وأوروبية موجهة إلى سياساتهم. ولعلّ
المثال البارز على ذلك ما أبدته الدوائر اليمينية والصهيونية من غضب وانزعاج
شديدين من تصريحات رئيس الوزراء الماليزي السابق محاضر محمد الناقدة لليهود،
وأيضاً من نتائج استطلاع رأي أوروبي أظهرت نتائجه أن (إسرائيل) تحتل المرتبة
الأولى بين الدول التي تهدد الأمن والسلام العالمي، وبدلاً من التوقف عند أسباب
هذه الانتقادات توجهوا جميعاً إلى حمل السلاح التقليدي، وهو سلاح (معاداة
السامية).
وكان محاضر محمد قد ألقى كلمة في افتتاح القمة الإسلامية 17 من تشرين
الأول/أكتوبر الماضي، داعياً فيها لوقف العمليات الاستشهادية ضد اليهود، وتغيير
سلوك الدول الإسلامية داخلياً وخارجياً من خلال الاستفادة من تجربة السيطرة
اليهودية على القرار الدولي، وتوظيفه لخدمة مصالحهم بالقول: ((إن أوروبا قتلت
ستّة ملايين يهودي من أصل الـ 12 مليوناً، ولكن اليهود يقومون اليوم بإدارة
العالم بالوكالة)).
وقامت الدنيا ولم تقعد بعد صدور هذه التصريحات، وظهرت على الفور تهمة (معاداة
السامية) وتم توجيهها إلى محاضر محمد من أمريكا و(إسرائيل) وبعض الدول
الأوروبية، واقترحت إيطاليا تضمين البيان الختامي لقمة الاتحاد الأوروبي في
الأسبوع الثالث من تشرين الأول/أكتوبر الماضي فقرة تستنكر هذه التصريحات، وتنص
على أن: ((هذه التصريحات الكاذبة والمعادية للسامية تجرح مشاعر المسلمين بقدر
ما تجرح مشاعرنا)).
كما أُجري استطلاع في منتصف أكتوبر الماضي، وشمل 7515 شخصاً من الدول الخمسة
عشر المكونة للمجموعة الأوروبية، وتضمن رؤية أوروبا إلى حرب العراق والسلم
العالمي، وحول سؤال تضمن اختيار دولة من أصل 15 تهدد السلم والأمن في العالم،
أشار 59% إلى أن (إسرائيل) تتصدر الدول التي تهدد الأمن والسلام في العالم
متقدمة على إيران وكوريا الشمالية والولايات المتحدة التي احتلت المرتبة
الثانية (53%).
وقوبل الاستطلاع باتهامات لأوروبا بـ(معاداة السامية)، ولم يجد وزير الخارجية
الصهيوني سلفان شالوم تعزية سوى أنه رأى أن الولايات المتحدة إلى جوار بلاده،
صحيح أنها في مرتبة تالية من حيث خطورتها على السلام العالمي، ولكنها في
النهاية إلى جوار (إسرائيل)، أما المسؤولون الأوروبيون فقد اتخذوا موقفاً
دفاعيًا ضد هذه الاتهامات، وقال رومانو برودي رئيس المفوضية الأوروبية: ((إنني
في غاية القلق إزاء نتائج الاستطلاع، فهي تؤكد وجود أحكام مسبقة تجب إدانتها
دون أدنى تردد، لا مكان ولا تسامح حيال (معاداة السامية) في أوروبا التي ولدت
ردًا على الأهوال الناجمة عن الحروب والمحرقة)).
تعريف (معاداة السامية)
والمعروف أن مصطلح (معاداة السامية) يشير إلى تقسيم توراتي للبشر، حيث ينقسمون
إلى ثلاثة أقسام: الساميون نسبة إلى سام بن نوح، والحاميون نسبة إلى حام،
واليافثيون نسبة إلى يافث، ويتميز الحاميون باللون الأسود، أما اللونان الأبيض
والأصفر فهما سمة اليافثيين، فيما يأخذ الساميون لوناً وسطاً بين الأبيض
والأسود، وهم سكان شبه الجزيرة العربية والشام والعراق.
وظهر هذا المصطلح في نهاية القرن التاسع عشر على أساس التمييز بين العرق الآري
والعرق السامي، حين أثار نشاط اليهود في كل المجالات كراهية الأوروبيين، ثم عاد
بقوة رداً على النازية والفاشية ونحوهما من التيارات العنصرية الأوروبية التي
حل محلها تمجيد اليهود، وتمتّعهم بكافة الامتيازات والتعويضات المادية
والمعنوية.
وبذلك كان من بين مبررات ظهور المصطلح، أولاً: المبرر الديني، ويعود إلى بداية
المسيحية، وموقف اليهود من المسيح، حيث أنكروا نبوته، وتآمروا مع الرومان
لقتله، وقد برأ الفاتيكان مؤخراً اليهود من دم المسيح، وألقيت التهمة على
الرومان مما غير كثيراً من وضعية اليهود في اللاهوت المسيحي. ثانياً: عدم رغبة
اليهود في الاندماج الاجتماعي، واعتقادهم أنهم الشعب المختار، وقيامهم في ذات
الوقت بالأعمال المشبوهة والتعامل بالربا مما ألقى بالشك على انتمائهم السياسي
والقومي.
واستغل الصهاينة دعوى (معاداة السامية) بعد قيام كيانهم في ابتزاز الدول
الأوروبية، ففرضوا على ألمانيا أن تدفع في الستينيات على سبيل المثال 70 مليون
دولار سنوياً ولمدة 12 سنة تعويضاً عن الهولوكست، كما استخدموه للتعمية على
جرائم (إسرائيل) بحق الشعب الفلسطيني، فأصبح اتهام (معاداة السامية) السلاح
الأكثر شيوعاً الذي يتم استخدامه في وجه انتقاد اليهود أو السياسة الإسرائيلية،
كما أصبح في الغرب وفي فرنسا سلاحاً فتاكًا ضد حرية التفكير وحرية التعبير وحتى
حرية البحث العلمي والتحقيق التاريخي، حيث منعت أبحاث العديد من العلماء ومنهم
من حوكم مثل (روجيه جارودي) ومنهم من فُصل من مناصبهم الجامعية، وقد صدر في هذا
الإطار تشريع جنائي يعاقب بالسجن من يكذّب وقوع الهولوكست أو من يشكك في
الأرقام اليهودية الصهيونية التي تقول إن ستة ملايين يهودي أحرقهم هتلر في
أفران الغاز.
رسالة واضحة
وقد استمر إشهار نفس السلاح في أحداث مشابهة بحيث أصبحت تهمة معاداة السامية
مرادفة لتهمة معاداة الصهيونية، فأصبح كل من ينتقد (إسرائيل) وممارستها
العنصرية معادياً للسامية، وهي تهمة -كما هو مشار- في الغرب كفيلة بتحقيق
(الموت المدني) لمن يتهم بها.
ومن هذه الأحداث البارزة اتهام شيري بلير -زوجة رئيس الوزراء البريطاني- في
حزيران/يونيو 2002 بمعاداة السامية لمجرد أنها أرجعت سبب إقدام الشباب
الفلسطيني على القيام بعمليات استشهادية إلى الشعور باليأس والإحباط، وقد
أرغمتها التهمة إلى التراجع عن تصريحاتها والاعتذار، ومنها أيضاً توجيه نفس
الاتهامات للكتاب والصحفيين ورسامي الكاريكاتير العرب، ونجحت الدوائر الصهيونية
الغربية في إغلاق ((مركز زايد للتنسيق والمتابعة)) بعد حملة شرسة في آب/أغسطس
2003 واتهامه بمعاداة السامية، واستضافته لشخصيات وإصداره دراسات تحض على
معاداة اليهود.
إلا أن الإسرائيليين لم يفهموا الرسالة الجديدة من وراء الاستطلاع الأوروبي أو
الانتقادات الصادرة من سياسيين ومثقفين مسلمين، وحاولوا إسكات هذه الانتقادات
بالقول إنها تكشف عن (عداء السامية المتجذر لدى هؤلاء وداخل الشعوب الأوروبية
التي قادها عداؤها لليهود في السابق إلى مذابح الهولوكست في العقد الخامس من
القرن الماضي).
لكن الرسالة تقول إن الاحتلال وممارساته المسؤول الأول عن هذه الانتقادات،
خصوصاً في ظل إصرار (إسرائيل) على البقاء خارج إطار الشرعية، وقيام الولايات
المتحدة بتوفير غطاء سياسي لهذا التمرد، وإزاء ذلك لم يعد ممكنًا ترويج كذبة أن
(إسرائيل) مستهدفة، أو تسويق الهولوكست للتعمية على الجرائم الإسرائيلية، كما
لم يعد مقبولاً أن شارون وموفاز دعاة سلام.
وقد عبر عن هذه الرسالة محاضر محمد في رده على الحملات الأمريكية والإسرائيلية
بالقول: لماذا يباح مهاجمة المسلمين على غير حق، بل مهاجمة الإسلام ذاته
باعتباره ديناً يحض على العدوان -كما يزعمون- ولا يُقبل انتقاد اليهود، بالرغم
من سيطرتهم على مراكز المال والإعلام، بل والسياسية في العالم.. إن عدم القدرة
على انتقاد اليهود بدون أن نتهم بمعاداة السامية يعبر عن تحيز ضد المسلمين، فهم
يعتقدون على ما يبدو أنهم شعب مميز، ولكننا لا نعتقد ذلك.