|
قبسات
الاستطلاعات تدمّر صورة الكيان
أثار الاستطلاع الأوروبي الذي تمّ الشهر الماضي خضّة في الكيان الصهيوني على
الصعد السياسية والاجتماعية والدبلوماسية.
ذلك أن الاستطلاع الذي اختار 7500 مواطن أوروبي من 15 بلداً أوروبياً، كانت
نتيجته أن أكثر بلد يشكل خطراً على السلام العالمي هو (إسرائيل) وتليها أمريكا،
وتقدّما على لائحة دول تضم العراق وإيران وسوريا وكوريا الشمالية.
وقد تدخّلت عدّة جهات لمنع نشر الاستطلاع فلم تنجح، بل إن سيلفيو برلسكوني رئيس
وزراء إيطاليا (رئيسة الاتحاد الأوروبي الحالية) قال إن هذا الاستطلاع ليس
واقعياً، وتمّ إجراء استطلاع آخر على صعيد إيطاليا فقط، فلم تختلف النتيجة!!.
واعتبر سياسيو العدو أن الاستطلاع ملفّق ومعادٍ للسامية، بينما دعا بعض الكتّاب
الصهاينة أوروبا إلى مساعدة (إسرائيل) للتخلص من هذه الصورة السلبية عبر دعمها
مالياً من أجل الحفاظ على أمنها بصورة أفضل من الصورة التي تُظهر جنودها يدكّون
المخيمات ويهدمون البيوت ويقتلون الأطفال والنساء!!.
خطورة الأمر تكمن في أن أوروبا هي المخزون الأخلاقي الذي انطلق منه الكيان
الصهيوني للسيطرة على العالم. فسيطرة اليهود على أمريكا ليست سيطرة أخلاقية؛ بل
هي فوقية.. بدليل أن هناك رعباً واضحاً لدى السياسيين من عدم تقديم الولاء لهم.
ويثبت ذلك أيضاً ذلك الترحيب السياسي الذي لقيه ناتان شارانسكي في الولايات
المتحدة والذي يقابله رفض ثقافي له، فقامت التظاهرات ضدّ وجوده في الجامعات
وألغيت بعض محاضراته وتلقى كعكة حلوى على وجهه أثناء إحدى محاضراته، والذي ضربه
بها كان يصيح ((كفى للاحتلال)) وكان –للمفارقة المعبّرة- شاباً يهودياً.
وهذا المخزون، الذي بُنيت عليه السياسة والإعلام الخارجي الصهيوني لم ينشأ
ويترعرع في أمريكا، بل في أوروبا إذ كانت الدبلوماسية الصهيونية الخارجية
تتعامل مع أوروبا عبر محورين؛ بل سلاحي ترغيب وترهيب لم تكن لتستطيع استخدامهما
مع الولايات المتحدة، وذلك بسبب عدم وجودهما في الأخلاق والثقافة الجماعية
الأمريكية.
أولاً: معاداة السامية، فالكيان الصهيوني (بصفته وكيلاً عن يهود العالم!!)
استغل العقدة الأخلاقية التي سبّبتها المحرقة (الهولوكوست)، في الوجدان
الأوروبي ونمّاها بحجم أسطوري، بات مجرّد ذكرها يستلزم الاستعاذة منها ومن
تكرارها. ثم تابع الصهاينة استغلاله عبر طلب التكفير عن الذنب الأوروبي
بالمعونة المالية والابتزاز (واسترداد) أموال اليهود الذائبة في المصارف
الأوروبية.
ثانياً: بعد الحرب العالمية الثانية، نحت الدول الأوروبية وخاصة الاسكندنافية
باتجاه النظام الاشتراكي، وهذا أيضاً غير موجود في الولايات المتحدة. وشكلت
تجربة الكيبوتزات الصهيونية (القرى التعاونية) نموذجاً اشتراكياً رائداً. مما
حدا ببعض الأوروبيين إلى إرسال أبنائهم في الصيف للتطوع والسكن والعمل والاطلاع
على هذه التجربة.. فكان لها الأثر الكبير في الثقافة الاشتراكية التعاونية
الأوروبية.
الترهيب بتهمة معاداة السامية، والابتزاز الذي لحقه زرع في الوجدان الأوروبي من
جديد صورة اليهودي المرابي الشرير. والترغيب في النموذج الاشتراكي الصهيوني
تحطّم بالصور التي صدّرتها وسائل الإعلام بعد أن أنتجتها بيوت العائلات المهدمة
ودماء الأطفال الشهداء ودموع الثكالى الفلسطينيات وسطّرتها بطولات المقاومة
الفلسطينية.
وبفضل الانتفاضة –بعد الله- تحقق ما كان يخشاه مثقّفو ومفكّرو العدو، فقام
إبراهام بورغ يصيح بأعلى صوته، وقام كبار المثقّفين ينادون بالتوقف عن بثّ هذه
الصور، وقام أربعة من كبار القادة الأمنيين الصهاينة (رؤساء سابقين للشاباك)
يحذّرون من العواقب الوخيمة. فاجتمعت السياسة والثقافة والأمن على رأي موحّد
بهذا الشأن، ودقوا ناقوس الخطر لئلا يمتدّ تأثير هذا الاستطلاع إلى أمريكا
وباقي العالم فتكون طامّة أخرى للكيان.
المحرّر الثقافي
|