مستقبل العلاقة الأميركية -
الأوروبية
أبعاد استراتيجية لطلاق محتم بعد تحالف قديم
بون/نبيل شبيب
حرب احتلال العراق التي وضعت العلاقات عبر المحيط الأطلسي على مفترق طرق، لم
تكن سوى ((محطة)) من محطات مسيرة التباعد الأميركي - الأوروبي، وقد تشهد هذه
المسيرة أرضيّة مشتركة ما للتعامل مع العراق بعد الحرب، ولكن لن يضمن ذلك إيجاد
أرضية مشتركة جديدة للعلاقات بمجموعها.
في حقبة الحرب الباردة كان غالب التحركات الأميركية يحقّق المصالح والمطامع
الأميركية أوّلاً، ولكن بما يحقّق في الوقت نفسه المصالح والمطامع الغربية
المشتركة، إذ كان ذلك بحدّ ذاته جزءاً أساسياً من الهدف ((الاستراتيجي))
الأميركي حول محور مواجهة الشيوعية.
ولكن حتّى في تلك الفترة المبكّرة نسبياً، وفور وقوف الدول الأوروبية الغربية
(واليابان) على أقدامها، بدأ ((التنافس)) الاقتصادي يأخذ مكانه بصورة بارزة في
نطاق العلاقات الغربية، إنّما لم يكن عسيراً ((ضبطه)) تحت تأثير ضرورات التحالف
السياسي والأمني. ثمّ تحوّل تدريجياً حتى اتّخذ أشكال ((الصراع)) في التسعينات
الميلادية، وهو ما انعكس مثلاً في ((جولة أوروجواي)) التي أفضت إلى تأسيس
المنظمة العالمية للتجارة، وانعكس في ((مواجهات)) نقدية متعدّدة كان من أبرزها
الأزمة النقدية الحادّة في الاتحاد الأوروبي قبل اتخاذ قرار توحيد العملة
الأوروبية، بالإضافة إلى ما كان في التسعينات الميلادية بصورة خاصة من ازدياد
حدّة الصراع على منابع الطاقة وطرق إمدادات النفط والأسواق الاستثمارية
والاستهلاكية خارج الحدود الغربية، ولا سيّما في المنطقة الإسلامية، ما بين بحر
قزوين والبلقان وبين أفغانستان ونيجيريا.. وساهم في ذلك تعزيز ظاهرة
((العولمة)) أو تسارع خطاها في التسعينات الميلادية الماضية، ولكنّ الأهمّ من
ذلك في تلك الحقبة نفسها كان يتمثّل في أنّ مسيرة التباعد الأميركي - الأوروبي
وصلت لأوّل مرّة منذ الحرب العالمية الثانية إلى الميادين السياسية والأمنية
العسكرية، بعد أن كان التحالف على صعيدها بمثابة الحاضنة المشتركة للميادين
الأخرى، فباتت الأسئلة المطروحة بصدد العلاقات الأطلسية تتناول محورين رئيسيين:
- كيف تتحرّك السياسات الأميركية دولياً لتحقيق مصالح ومطامع أميركية بمعزل عن
الأرضية الغربية المشتركة سابقاً، والردّ الأوروبي على ذلك؟
- كيف تتحرّك السياسة الأوروبية لمنع نشأة نظام أحادي، ولكن دون أن يوصل هذا
التحرّك المعارض لواشنطن إلى مواجهة مباشرة.. ومبكرة؟
((زراعة الأوتاد)).. وثوابت أوروبية
لعلّ من المفارقات التاريخية أنّ سياسة الرئيس السوفييتي الأسبق ليونيد
بريجينيف استهدفت زراعة وتد بين الأوروبيين والأميركيين وأخفقت، ولكنّ حركة
جورباتشوف التي انتهت بسقوط الشيوعية نفسها أدّت واقعيا إلى تحقيق هدف بريجنييف
القديم، حتّى باتت ((زراعة الأوتاد)) بين حلفاء الأمس، ولكن بالأيدي الأميركية
والأوروبية، في مقدّمة معالم حقبة ما بعد الحرب الباردة. والمهمّ هنا هو رؤية
الاستمرارية في هذا التحوّل ((الاستراتيجي)) في العلاقات عبر المحيط الأطلسي،
وذلك بغضّ النظر عن تقلّب أحداث العالم، ما بين البلقان وأفغانستان، أو فلسطين
والعراق، أو أفريقيا وأميركا الجنوبية..
كان آخر ما ظهر من ((زرع الأوتاد)) اعتماد حكومة بوش في فترة حرب احتلال العراق
على ترسيخ أسباب الوقيعة بين الدول الغربية الرئيسية بزعامة فرنسية - ألمانية
وبين الدول الأوروبية الشرقية الراغبة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وإلى
حلف شمال الأطلسي على حدّ سواء، واشتهر من ذلك حديث وزير الدفاع الأميركي
دونالد رامسفيلد عمّا أسماه أوروبا القديمة وأوروبا الجديدة، والواقع أنّ
المسألة لم تقتصر على ((تصريحات)) بل اتخذت شكل ممارسات سياسية..
وربّما لفتت هذه المحاولة الأنظار بسبب ارتباطها بالمواجهة العلنية حول حرب
احتلال العراق، والواقع أنّها لم تكن الأولى، فكان من سياسة ((زرع الأوتاد))
مثلاً ما استهدف العلاقات الألمانية-البريطانية، عندما صرّح الرئيس الأميركي
السابق بيل كلينتون على غير انتظار أنّه يعتبر ألمانيا هي ((الحليف الرئيسي))
لواشنطن في أوروبا، ممّا أثار حفيظة بريطانيا وساهم في تعكير العلاقات الثنائية
لفترة من الزمن.. وكان من ذلك مثلاً آخر ما استهدف العلاقات الألمانية -
الفرنسية، عندما حذّر الرئيس الأميركي جورج بوش الأب فرنسا من مخاطر وصول
ألمانيا إلى الزعامة السياسية في أوروبا إلى جانب الزعامة الاقتصادية، في الوقت
الذي كان يعتمد فيه على ألمانيا في تخفيف سرعة المساعي الفرنسية للتميّز
الأوروبي عن واشنطن.. وهناك المزيد من الأمثلة لا سيّما في فترة حروب البلقان،
وبما شمل العلاقات الروسية - الأوروبية أيضاً، وما لم يقتصر على فترة رئيس دون
آخر في واشنطن، وعلى وجه التحديد لم تكن بدايته مقترنة بوصول جورج بوش الابن
إلى الرئاسة.
طوال تلك الفترة منذ مطلع التسعينات الميلادية كان ((المحرّك الفرنسي –
الألماني)) بدوره المهيمن على المسيرة الأوروبية إجمالاً قادراً على تجاوز
أزمات مرحلية، ودفع هذه المسيرة، بما تجاوز الوحدة الاقتصادية إلى النقدية،
والتنسيق السياسي إلى ترسيخ أسباب التميّز الأمني والسياسي عن الولايات المتحدة
الأميركية، وهو تحرّك بطيء نسبياً، ولكنه ثابت ومتواصل الحلقات.
وكان من المعالم
((التطبيقية)) البارزة على هذا الصعيد:
1- ترسيخ هدف التميّز الأمني والسياسي في اتفاقية ماستريخت لتوحيد أوروبا عام
1991.
2- محاولة إحياء ما يسمّى منظمة ((الاتحاد الأوروبي الغربي)) وهي المنظمة
((الأمنية)) الوحيدة للأوروبيين دون مشاركة أميركية، وكانت المنظّمة قد جُمّدت
لصالح حلف شمال الأطلسي لأكثر من 40 عاماً.
3- تشكيل فيلق فرنسي - ألماني مشترك عام 1992 خارج نطاق حلف شمال الأطلسي،
وانضمّت إليه دول أخرى لاحقاً.
4- قرار قمّة كولونيا عام 1998 بتشكيل قوّة عسكرية أوروبية منفصلة عن حلف شمال
الأطلسي، قوامها زهاء ستين ألف جندي، ويكتمل إعدادها عام 2004.
هذا كأمثلة.. وقد رافقتها خطوات أخرى عديدة، لا يُستهان بأهميتها أيضاً، مثل
الاتفاق الفرنسي -البريطاني على صناعة عسكرية مشتركة، والاتفاق الفرنسي -
الألماني على إطلاق أقمار تجسسية حربية للتخلّص من الاعتماد على الأقمار
الأميركية في إطار حلف شمال الأطلسي، ثمّ الاتفاق الأخير على إيجاد هيكل عسكري
مشترك لفرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورج معاً.
بهذا المنظور يبرز للعيان أنّ المواقف الأوروبية في قضية العراق، لم تكن ردود
فعل آنيّة على أحداث تجري، ولا كانت بداية التعبير عن وقوع ((تباعد أميركي –
أوروبي)) إنّما كانت تلك المواقف ((نتيجة طبيعية)) من نتائج تطوّر أوسع نطاقاً،
اتخذ مجراه منذ فترة، وسيستمر في المستقبل المنظور، وبالتالي لن يخلو الأمر من
مزيد من ((النتائج الطبيعية)) له على غرار ما ظهر مرافقاً لحرب احتلال العراق.
وبهذا المنظور أيضاً يمكن التأكيد أنّ مسيرة التميّز الأوروبي سياسياً وأمنياً
عن واشنطن، لا يمكن اختزالها في القول إنّها ((ردّ أوروبي)) على وصول النهج
السياسي لتيّار ((المحافظين الجدد)) إلى السلطة في واشنطن، والمهّم في هذا
الاستنتاج هو استيعاب ما يجري من حيث أنّ مساعي تميّز الأوروبيين عن الأميركيين
لن تنقطع فيما لو وجدت سياسة هذا التيار نهايتها بصورة من الصور، بل أصبح
التميّز جزءاً من ثوابت مجرى تطوّر العلاقات الأطلسية في اتجاه الافتراق بعد
حقبة التحالف الماضية، وهو ما يتطلّب التعامل مع هذا التطوّر المستقبلي، بدلاً
من التعامل مع فرضية موهومة تقول إنّ ((نظام القطب الأحادي)) بات أمراً
واقعاً.. ولن يتبدّل!
الهيمنة.. وثوابت أميركية
عنصر الثبات في التميّز الأوروبي هو الذي يجعله رؤية ((استراتيجية)) لمستقبل
أوروبا وليس رؤية سياسية آنية للتعامل مع أحداث بعينها. وقد انطلقت هذه الرؤية
من اعتبارات عديدة ذات صبغة ((استراتيجية)) أيضاً، وفي مقدّمتها:
- زوال الحاجة الأوروبية إلى المظلة النووية الأميركية والتي كانت في مقدّمة
أسباب ربط أوروبا الغربية أثناء الحرب الباردة بقرار الزعامة الأميركية،
اقتصادياً ومالياً، وليس سياسياً وأمنياً فقط..
- إدراك الأوروبيين لأهمية استقلالهم السياسي والأمني من أجل ضمان استقلالهم
الاقتصادي والمالي في خارطة ((النظام العالمي)) المقبل وليس في المرحلة
الانتقالية الراهنة فقط.
السؤال المطروح هنا هو ما إذا كان هذا السعي للهيمنة، حتى على الحلفاء، وليد
واقع جديد في واشنطن السياسية، أم هو عنصر بات ثابتاً بين عناصر السياسة
الأميركية عموماً!..
التأمّل في مسلسل تطوّر السياسة الأميركية، كالتأمّل في مسلسل تطوّر السياسة
الأوروبية، يؤكّد عدم صحّة النظرية الشائعة القائلة إنّ السياسات الأميركية
باتجاه الهيمنة قد أطلقها ((المحافظون الجدد)) في عهد بوش الابن فحسب.
إن اتجاه ((الهيمنة)) يمثلّ سياسة ((استراتيجية)) ثابتة، وكان وليد سياسات
متعاقبة يبني جديدها على ما سبق منها، منذ عهد رونالد ريجان على الأقل، فلم
يختلف مغزى الإجراءات والخطوات التنفيذية بين رئيس ورئيس وغالبية حزبية وأخرى
في واشنطن، إلاّ بقدر ضئيل، بينما كان الجزء الأكبر مرتبطاً على الدوام بما
يمكن صنعه اعتماداً على ما سبق الوصول إليه في مرحلة سابقة. ومن الوقائع
الدالّة على ذلك كأمثلة معدودة:
1- نفوذ تيّار ((المحافظين الجدد)) وأرضيته العقائدية القائمة على ما يُسمّى
((المسيحية الصهيونية)) بدأ يؤثّر على صناعة القرار في واشنطن في عهد ريجان على
الأقل، وتفاوت حجم التأثير ولكن لم ينقطع من بعده..
2- الإعلان عن ((نظام عالمي جديد)) بزعامة أميركية طُرح في عهد بوش الأب..
3- مسلسل إجراءات وضع الولايات المتحدة الأميركية ((فوق)) صلاحيات شبكة
المنظمات الدولية قديمٌ قدم نشأتها وبلغ ذروته في عهد كلينتون قبل بوش الابن..
4- الإعلان عن تنفيذ مشروع ((الدرع الصاروخي)) إضافة إلى الانسحاب من الاتفاقية
الأمّ للحدّ من التسلّح (1972) جاء في عهد بوش الابن، ولكنّ المشروع نفسه وُضع
في عهد ريجان، وجُمّد فترة من الزمن بسبب تكاليفه المالية، وأعاده كلينتون
–وليس بوش الابن- إلى الحياة من جديد..
5- ((الحرب الوقائية)) والتهديد باستخدام السلاح النووي ضدّ ((عصابات الإرهاب
الدولي والدول المارقة)) صارا جزءاً معلناً من سياسة ((المحافظين الجدد)) في
عهد بوش الابن، ولكنّ التدريبات العسكرية على استخدام السلاح النووي على هذا
النحو، كانت قد بدأت عام 1996 في عهد كلينتون، كما أنّ ((الحرب الوقائية)) كانت
مرحلة تطويرية جديدة للخطوة التمهيدية السابقة لها منذ عهد ريجان، وكانت تحت
عنوان ((الضربة النووية الأولى)) كسياسة رسمية لواشنطن ولحلف شمال الأطلسي،
وتمسّك بوش الأب ثمّ كلينتون بها رغم سقوط المعسكر الشرقي كمصدر فعلي لخطر نووي
ما!.
6- العداء المعلن في عهد جورج بوش الابن للمحكمة الجنائية الدولية الحديثة
التشكيل نسبياً، بدأ واقعياً مع بدء مفاوضات تأسيسها، والواقع أنّ مشروعها
مطروح منذ تأسيس الأمم المتحدة وعطّله الاعتراض الأميركي، مثلما عطّل إقرار
صلاحيات كافية لمحكمة العدل الدولية في لاهاي بما يشمل الحكم على ((مشروعية))
قرارات مجلس الأمن الدولي باعتباره جهازاً تنفيذياً، ثمّ كان مع تجديد
المفاوضات حول المحكمة الجنائية الدولية أن تجدّد الموقف الرافض الأميركي، وبلغ
ذلك درجة إعلان كلينتون رسمياً أنّ توقيعه على ((مشروع الميثاق)) لا يعني تغيير
موقفه الرافض، ولكن التوقيع كان ((فقط)) من أجل التأثير على مفاوضات صياغة النص
النهائي. وفي عهده أيضاً وليس في عهد بوش الابن كان رفض واشنطن المشاركة في
الاتفاقية الدولية لمكافحة الألغام الأرضية ضدّ الأشخاص، وكان تفريغ محتوى
اتفاقات قمّة الأرض حول البيئة والتنمية وقمّة المناخ العالمي من محتواهما..
خطوط حمراء مشتركة
إنّ الحصيلة التي يفرضها التأمّل في حلقات هذا المسلسل هي أنّنا نقف أمام خطّ
بياني يسير بالأميركيين والأوروبيين على خطين يتباعدان بصورة واضحة وثابتة،
ويؤكّد البُعد الزمني لثوابت هذا الخطّ البياني أنّ الحديث عن خلاف أميركي -
أوروبي لا يصل إلى نتيجة قويمة دون اعتبار هذا الخلاف ((تباعداً استراتيجياً))،
وأنّ من لا يتعامل معه على هذا الأساس سيجد نفسه باستمرار أمام مفاجآت جديدة
على المسرح الدولي.
ولكن رغم ثبات مسيرة التباعد وانتقالها إلى العلن مع قضية العراق، يبقى من
الضروري أخذ عدد من الاعتبارات الإضافية بعين الاعتبار، يمكن الاكتفاء هنا بذكر
عناوين أهمّها طلباً للإيجاز:
1- لا تقوم العلاقات الدولية عموماً على التمييز بين أسود وأبيض، أو صِدام
وتحالف كما هو معروف، وهذا ما يسري على مراحل تطوّر العلاقات عبر المحيط
الأطلسي.
2- التناقض بين جانبي الأطلسي لا يلغي وجود قسط ضخم من المصالح المتشابكة
المشتركة الناشئة في حقبة الحرب الباردة، ولن يصل لهذا السبب –في المستقبل
المنظور على الأقلّ- إلى درجة ((صِدام مباشر))، كما أنّ مراعاة هذه المصالح
تفسّر عدم اتخاذ مسيرة التباعد ((خطاً مستقيماً)) دون تراجع هذا الطرف تارة
وذاك الطرف تارة أخرى، والتلاقي على حلول وسطية في بعض النقاط الخلافية تارة
ثالثة.
3- الحرص الأوروبي على عدم وقوع صدام خاسر مبكّر مع الأميركيين يفسّر فيما
يفسّر الازدواجية في السياسات الأوروبية أحياناً، مثل الخضوع للضغوط الأميركية
في التعامل مع حركة حماس أو التراجع البلجيكي عن قانون محاكمة المتّهمين بجرائم
حرب من خارج الحدود.
4- السياسة الأميركية كانت وما تزال تعمل على صنع الحدث الإقليمي أو الاستفادة
ممّا يقع من أحداث إقليمية لتحقيق أهدافها ((الثابتة)) من الأصل، وهذا ممّا
يفسّر الازدواجية لديها بقدر ما ترى في ذلك ((التوظيف)) فائدة أو ضرراً، كما
كان واضحاً مثلاً في اختلاف التعامل مع أحداث البلقان وأحداث منطقة البحيرات
الكبرى.
5- توجد نقاط مشتركة بين سائر القوى الدولية بما فيها الولايات المتحدة
الأميركية والاتحاد الأوروبي، في مقدّمتها: (1) احتكار أسلحة الدمار الشامل تحت
عنوان منع انتشارها، وكذلك (2) الخشية من تحوّل ((الصحوة الإسلامية)) إلى مشروع
حضاري عالمي يثبت وجوده ويقف بالمنطقة العربية والإسلامية على أقدامها مجدّداً،
ولهذا نجد كثيراً من المواقف المشتركة، الأميركية-الأوروبية، التي لا تصدر عن
ظاهرة ((الطلاق الأطلسي)) وإنّما تصدر عن ذلك الجزء المشترك من الأرضية التي
تقوم عليها السياسات الدولية حالياً، وهو ما يتضّح مثلا من التعامل مع ما
يُسمّى ((القنبلة الإسلامية)) أو رفض التفاعل مع إنجازات ما في قضية فلسطين
يغلب عليها ما تصنعه منظّمات المقاومة ((الإسلامية)).
لا يتّسع المجال في هذا الموضوع للبحث في معالم السياسة الأنجع للتعامل مع
المعطيات ((الاستراتيجية)) الدولية بما فيها ((الطلاق الأطلسي)) القادم آجلاً
أو عاجلاً، فهذا ما يتطلّب دراسات وبحوثاً قائمة بذاتها، ولكنّه يتطلّب أيضاً
أن تجد النتائج المنهجية لمثل تلك الدراسات والبحوث طريقها إلى دوائر صناعة
القرار في البلدان العربية والإسلامية على وجه التخصيص، بحيث تنطلق من ((ثوابت
استراتيجية)) مشتركة أيضاً، وإلاّ فلن يجد أي بلد منها مكاناً له على خارطة
الغد في نظام عالمي جديد قادم.