|
كيف تبدو الساحة السياسية
الأمريكية قبل عام من الانتخابات الرئاسية؟
واشنطن/كمال الحسيني
بالرغم من أن عاماً كاملاً يفصلنا عن موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، إلا
أن مواضيع تلك الانتخابات أخذت تطغى على ما عداها من موضوعات على الساحة
السياسية الأمريكية. فحتى أشهر قليلة كان الرأي السائد أن الرئيس الأمريكي جورج
بوش هو الزعيم الذي لا ينافَس في انتخابات عام 2004 حيث وصلت شعبيته إلى مستوى
عالٍ لم تحصل لرئيس قبله. توّجها بهبوطه على حاملة الطائرات ((إبراهام لنكولن))
بعد النصر الساحق والسريع في العراق وخلفه اليافطة الشهيرة ((المهمّة تمّت)).
هذه الإنجازات المتوالية والشعبية العارمة أخرست أصوات المعارضة إلا ما ندر،
وبدا الحزب الديمقراطي المعارض في وضع حرج بين معارضة سياسة رئيس يؤيده 91% من
الأمريكيين –بعد أحداث أيلول/سبتمبر-، أو موافقة الإدارة في سياساتها التي تتجه
نحو اليمين المتطرف بضغط من المحافظين الجدد المتنفّذين في تلك الإدارة.
قيادة الحزب الديمقراطي التقليدية في الكونغرس ومجلس الشيوخ أمثال (توماس داشل)
زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ (وجيبهارت) و(ليبرمان) مرشحي الرئاسة اختارت
المهادنة مع الإدارة الأمريكية وأيدت سياساتها لا سيما حرب العراق. عندها بدأ
نجم (هوارد دين) المعارض للحرب بالصعود وأخذ التيار الذي يمثله داخل الحزب
الديمقراطي يرفع صوته بمعارضة سياسات بوش وإدارته، ترافق ذلك مع هبوط في شعبية
جورج بوش وتعثّر لسياساته على جميع الأصعدة.
تلك التطورات أعطت أملاً للديمقراطيين بإمكانية هزيمة بوش في الانتخابات
المقبلة بعد أن كان ذلك شبه مستحيل.
أين يقف الحزبان اليوم من الانتخابات؟
الحزب الجمهوري
عند تولي جورج بوش رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عام 2000، بعد الفوز
البسيط الذي أحرزه على (آل غور) كان الرأي العام الأمريكي منقسماً في خط الوسط،
غير أن أحداث أيلول/سبتمبر عام 2001 وحرب أفغانستان التي تلتها وإقصاء حركة
طالبان عن الحكم هناك حشدت الرأي العام الأمريكي خلف الرئيس وأعطت الحزب
الجمهوري دفعة قوية في الانتخابات البرلمانية عام 2002، ليحصل على الأغلبية في
الكونغرس ويعزّز موقعه في مجلس الشيوخ.
الإنجازات السياسية والعسكرية طغت في تلك الانتخابات على الوضع الاقتصادي
المتردي الذي بدأ مطلع عام 2000 بهبوط أسعار أسهم الشركات التكنولوجية وفضائح
الشركات الكبرى (إنرون، تايكو وغيرها) وارتفاع معدّل البطالة ورحيل شركات
التصنيع إلى المكسيك وبلدان شرق آسيا حيث العمالة الرخيصة.
ثم كانت حرب العراق الخاطفة بعد إقناع الرأي العام الأمريكي بأن العراق يمتلك
أسلحة الدمار الشامل والتي تهدّد أمن الولايات المتحدة والعالم، وأن تغيير
النظام العراقي سيكون مقدمة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بسقوط الأنظمة
الدكتاتورية التي تغذي الإرهاب. فشل السياسة الأمريكية في العراق حتى الآن، إن
كان بإيجاد أسلحة الدمار الشامل أو القبض على صدّام حسين أو بإعادة الهدوء
لمباشرة عمليات إعادة الإعمار، أضف إلى ذلك ارتفاع التكاليف المادية والبشرية
للحرب حيث هبطت نسبة المؤيدين للحرب من 75% في نيسان/أبريل إلى 47% في تشرين
الأول/أكتوبر (استطلاع واشنطن بوست-آ.ب.س).
إد جليبسي رئيس اللجنة العليا للحزب الجمهوري أقرّ بأن موضوع العراق سيكون
موضوعاً رئيسياً في الانتخابات المقبلة، فقال في صحيفة ((واشنطن بوست)): ((سوف
نقرر إن كنا سنحارب الإرهاب في كابول وبغداد أو سنحاربه في بوسطن وتكساس)).
المسؤولون الأمنيون قلقون من مجريات الأمور هناك. مسؤول أمني كبير قال
لـ((واشنطن بوست)): ((إنني غير سعيد بالنسبة للمعلومات التي نتلقاها))، وقال
آخر ((أمام الولايات المتحدة ثلاثة أو ستة أشهر لوقف العنف وإلا...)).
موضوع العراق ليس الوحيد في ملف السياسة الخارجية الأمريكية الذي سيكون محل
تداول في الانتخابات القادمة، فهناك الحرب على الإرهاب وكوريا الشمالية
وبرنامجها النووي وإيران –دول محور الشر- وموضوع الصراع العربي – الإسرائيلي
وتعثّر ((خارطة الطريق)) مع عدم وجود مبادرة أمريكية جديدة أو نيّة لدى الإدارة
لإحياء ((خارطة الطريق)). فشل الرهان الأمريكي على حكومة محمود عباس واتساع
دائرة العنف لتستهدف دبلوماسيين أمريكيين لأول مرة في تاريخ الصراع الفلسطيني –
الصهيوني، والخوف من تردٍ أكثر للأوضاع في تلك الساحة، ربما كان العامل في
تغيير حكومة شارون لسياستها أملاً في تخفيف حدة التدهور حتى موعد الانتخابات
الأمريكية على أقل تقدير.
حملت الأخبار الاقتصادية نتائج إيجابية لإدارة بوش للربع الثالث من السنة
الحالية على الرغم من أن 53% من الأمريكيين عبّروا عن عدم موافقتهم لسياسة بوش
الاقتصادية مقابل 43% -استطلاع واشنطن بوست آ.ب.سي-، حيث زاد الناتج القومي
بنسبة 7.2 وهي النسبة الأعلى منذ 19 عاماً. كما حافظ البنك الفدرالي على مستوى
معدلات الفائدة البالغة 1% وهي الأدنى منذ 45 عاماً. هذه الإشارات الاقتصادية
الإيجابية أعادها الاقتصاديون إلى سياسة تخفيض معدّل الضرائب التي اتبعتها
إدارة بوش منذ مجيئها إلى البيت الأبيض. على الرغم من هذا التحسن إلا أن العجز
الكبير في الميزانية -460 بليون دولار- ومعدّل البطالة المرتفع حيث خسر 3.5
مليون أمريكي وظائفهم منذ تولي بوش الرئاسة عام 2000 يجعل الاقتصاديين حذرين من
التفاؤل بأن الأزمة الاقتصادية قد مرّت بعد.
لكن برغم المتاعب المتعددة التي تواجهها إدارة بوش فإن استطلاعات الرأي تشير
إلى تقدّم بوش على المرشح الديمقراطي أياً كان بنسبة 46% إلى 43%.
الحزب
الديمقراطي
في ظل عدم وجود قيادة قادرة على جمع شمل الحزب حول القضايا الهامة للمواطن
الأمريكي، فإن الحزب الديمقراطي يبدو مشتتاً أكثر من أي وقت مضى وقد برهنت
خسارة الحزب لمقعد حاكم كاليفورنيا منذ فترة ومقعدي حاكمي ولاية ميسيسبي
وكنتاكي –وهي المرة الأولى التي يصل فيها جمهوري إلى مركز حاكم الولاية منذ 32
عاماً- على التخبّط الذي يعاني منه الحزب.
بالنسبة للانتخابات الرئاسية فلم يبرز حتى الآن مرشح محسوم يمتلك كفاءات قيادية
مميزة بالرغم من أن الانتخابات المبدئية للحزب في ولاية (أيوا) ستجري في أقل من
ثلاثة أشهر، وإن كان يبدو أن هوارد دين الحاكم السابق لولاية (فيرمونت) و(ويزلي
كلارك) الجنرال المتقاعد والقائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا 1997
– 2000 يحافظان على مركزي الطليعة.
المرشحون الآخرون للحزب هم جوزيف ليبرمان عضو الكونغرس عن ولاية (كنيتكيت)،
دنيس كوسنتيش عضو الكونغرس عن ولاية (أوهايو)، ريتشارد جيبهارت عضو الكونغرس عن
ولاية (ميزوري)، آل شاربتون نشيط في مجال حقوق الإنسان من نيويورك، جون كيري
السيناتور من ولاية (ماساشوستس)، كارول موصلي السيناتور السابق عن ولاية
(إلينوي) وجون إدوارد السيناتور من ولاية (نورث كارولاينا).
مرشحو الحزب الديمقراطي مجمعون على أمر واحد هو ضرورة التخلص من بوش الذي وصفه
جيبهارت بأنه (فشل بائس) على الرغم من اختلافاتهم حول المواضيع الهامة والعديدة
الأخرى. يأتي على رأس قائمة الاهتمامات موضوع العراق، ففيما البعض يدعو لزيادة
عدد القوات هناك للمساعدة في استتباب الأمن، دعى دنيس كوسينتيش الذي يمثل
المركز الأخير في لائحة المرشحين إلى سحب فوري للقوات الأمريكية. لكن بالرغم من
اختلافاتهم حول التفاصيل إلا أن معظم المرشحين يحبذون إعطاء دور أكبر للأمم
المتحدة في إدارة العراق والمشاركة في عمليتي إعادة الإعمار وحفظ السلام هناك،
مع تخفيف تدريجي للوجود العسكري دون أن يؤدي ذلك إلى زعزعة أكثر للاستقرار
هناك.
بالنسبة للشرق الأوسط والحرب على الإرهاب، يختلف المرشحون مع الإدارة وفيما
بينهم حول كيفية معالجة هذا الموضوع. فقد أثارت تصريحات هوارد دين بضرورة أن
تقف الولايات المتحدة موقفاً محايداً بالنسبة للصراع العربي – الإسرائيلي عاصفة
من الاحتجاجات، فتصدى له جو ليبرمان وهو يهودي أرثو ذكسي متهماً إياه بمحاولة
إنهاء أكثر من خمسين عاماً من الدعم الأمريكي لـ(إسرائيل)، فيما وصف جيمي كارتر
الرئيس الأسبق تصريحات هوارد دين بأنها متوازنة.
الموضوع الاقتصادي سيكون من الموضوعات المهمة في الانتخابات المقبلة لا سيما في
ضوء الركود الاقتصادي الذي بدأ العام 2000. تعتبر الاتفاقات التجارية (كنافتا)،
الجمارك، الضرائب والتجارة الحرة من المواضيع الحساسة في النقاشات الانتخابية.
بعض المرشحين لم يأخذ وا مواقف حاسمة من تلك الموضوعات، فهوارد دين غيّر موقفه
أكثر من مرة فيما يتعلق برفع الجمارك أو موقفه من الاتفاقات التجارية التي
عقدتها الولايات المتحدة مع الدول الأخرى سابقاً. كلارك قال بأنه سيسأل
الأمريكيين ذوي الدخل المرتفع (أكثر من 200.000 دولار سنوياً) إعادة الضرائب
التي أُعفوا منها في عهد بوش وسيعيد النظر في قوانين ضرائب الشركات وتغيير
طريقة منح الالتزامات لإعادة بناء العراق لتشمل دولاً أخرى. يذكر أن هذا
الموضوع كان محل أخذ وردّ في وسائل الإعلام، حيث تُتّهم إدارة بوش بمنح
التزامات الإعمار لشركات تربطها علاقات قوية مع موظفين في الإدارة الأمريكية،
لا سيما شركة (هوليبيرتن) الذي كان يرأس مجلس إدارتها نائب الرئيس ديك تشيني
والتي لا تزال تدفع مستحقات تعويضاته.
الجدير ذكره هنا أن مواقف مرشحي الرئاسة من مختلف الموضوعات تعتبر أولية فهي قد
تتغير تبعاً للتغيرات أو لتطور لسير العمليات الانتخابية.
أنظار الديمقراطيين تتجه إلى هوارد دين الذي أحسن استخدام الإنترنت لجمع
التبرعات وتحريك الناخب الديمقراطي، وإلى ويزلي كلارك الذي وإن كان قد أعلن
ترشيحه متأخراً إلا أنه يحظى بدعم تيار (كلينتون – غور) في الحزب حيث حشد هذا
التيار موارده المالية والسياسية لدعمه.
بغض النظر عن هوية المرشح الديمقراطي فإن المراقبين يتوقعون بأنه ما لم يحدث
حدث دراماتيكي كاعتقال صدّام حسين أو ارتفاع وتيرة العنف إلى مستوى يقلق الناخب
الأمريكي، فإن نتائج الانتخابات القادمة ستكون متقاربة كنتائج انتخابات عام
2000 التي جرت بين بوش وآل غور.
|