فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Dec2003
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
شؤون العدو
حوار
تحقيق
الغلاف
الملف
شؤون عربية
شؤون إقليمية
شؤون دولية1
شؤون دولية2
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
أنشطة
تقرير
قضايا
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

الملف

حماس وركائز مشروع المقاومة

علاء حسن/كاتب مصري
استطاعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ومنذ انطلاقتها في العام 1987 أن تدشن مشروعاً متكاملاً للمقاومة، وأن تصوغ رؤية استراتيجية واضحة لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني، وقد انبثقت هذه الرؤية وتأسس ذلك المشروع على ضوء مدركات حماس لحقيقة وأبعاد الصراع مع الكيان الصهيوني، وعملت حماس على توفير مستلزمات الصمود، وبناء المجتمع المقاوم بوصفه الحامل الأساسي والحاضن الرئيسي للمشروع المقاوم، وقد نظرت حماس للمقاومة والعمل الجهادي بكافة أدواته كحتمية مترتّبة على تواجد الاحتلال، وخيار استراتيجي بإمكانه أن يؤسس ويمهد لانقلابات نوعية في سير الصراع ومصيره، وبما يضع القضية الفلسطينية على أعتاب مرحلة جديدة.

أسس ورؤى حماس
لم تؤسس حماس رؤيتها في فضاء العموميات، ولم تنطلق من فراغ، فقد صاغت الحركة رؤيتها على ضوء مجموعة من المحددات الأساسية منها:
1 - الوعي ببداهة أن الصراع مع العدو الصهيوني ليس نزاعاً محدوداً، أو صراعاً يمكن اختزال مستوياته، وتحجيم أبعاده، وتحديد أطرافه، فهذا الصراع لا يمكن فهمه إلا على قاعدة كونه صراعاً حضارياً عقدياً متداخلاً ومتنوع المستويات، وهو في الحاصل النهائي صراع بين مشروعين يمثل أحدهما المشروع الغربي في تكوينه الاستعماري، والذي قام بزرع الكيان الصهيوني في الجسد العربي - الإسلامي ليعيقه عن الالتئام ويمنعه من النهوض، ويتمثل الآخر بالمشروع العربي - الإسلامي الساعي للانعتاق، ومواصلة تقدمه.
وتأسيساً على هذا الوعي حذرت حماس من الانخداع بالأضاليل التي ترمي إلى تفكيك الصراع، وتجريده من شموليته، كما لفتت حماس إلى أن العدو الصهيوني سيظل يشتغل كقاعدة متقدمة لحفظ المصالح الغربية، وسيظل مرتبطاً عضوياً بالمشروع الغربي، وخاصة النسخة الأمريكية منه، وطالبت حماس بضرورة أن تعتمد الأمة على قدراتها الذاتية، وعلى تسخير إمكاناتها في تأسيس التحالفات والتأثير في المواقف، وألا تنتظر من القوى الغربية لعب دور محايد، وأن يتم الوعي بأن الطرف الأمريكي حليف استراتيجي للعدو الصهيوني، وشريك له، وهو بذلك يقع في خانة الأعداء والخصوم، ولا يمكن اعتباره غير ذلك.
2 - أكدت حماس على ضرورة النظر لقضايا الصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية على أساس من الترابط بين الدوائر القُطْرية والعربية والإسلامية، فالنظر إلى قضايا الصراع من المنظار القُطري، وإبرام الاتفاقات الثنائية مع العدو الصهيوني تحت غطاء المصلحة القُطرية، أدى إلى التفسخ والتشرذم في الواقع العربي، ومكّن العدو الصهيوني من الاستفراد بتلك الدول كلاً على حدة، مما أدى إلى تحييد وعزل القوى الفاعلة عن ميدان الصراع.
دعت حماس إلى إعادة الاعتبار إلى مفهوم الأمة، والانطلاق من المظلة الجمعية، فكل الاتفاقات والتسويات التي تمت تحت اللافتة القطرية، وكل المحاولات التي عملت على إدارة الصراع على أسس جهوية آلت إلى الفشل، وساهمت في تقوية العدو الصهيوني، وإضعاف الطرف العربي، وإدخاله في ملهاة التشرذم والتنابذ.
تعتقد حماس أن المدخل القطري لإدارة الصراع يرتب نتائج خطيرة، فهو يعني من ضمن ما يعني التمهيد للقبول بالعدو الصهيوني ككيان شرعي معترف به، كما أنه يطرح وهم إمكانية أن يتعايش العدو الصهيوني ومشروعه الاستعماري مع المشروع الحضاري للأمة على قاعدة التضايق والتعايش في المحيط الجغرافي العربي، وهذا يستحيل شرعاً وعقلاً، فأساس العلاقة بين المشروعين سيظل التصارع إلى أن يفلح أحدهما في حسم الصراع نهائياً لصالحه.
وقد أثبتت الوقائع والأحداث صوابية رؤية حماس، وتهافت تلك الرهانات التي زعمت أن الانعزال القُطري وتجزئة الصراع كفيل بتهدئة الثائرة الصهيونية، وخلخلة الصراع المحتدم، وإقناع العدو الصهيوني بالكف عن مطامع التوسع والهيمنة، فقد أثبتت الأحداث أن العدو الصهيوني يسعى وتحت غطاء الإسناد الأمريكي إلى فرض هيمنته، وتثبيت نفوذه كقطب إقليمي أوحد.
3 - أسست حماس رؤيتها للحلول النهائية للصراع على ضوء الثوابت العقدية وإجماع الأمة، فقد أكدت فكريات الحركة وأدبياتها على أن الحل النهائي والحسم الاستراتيجي للصراع يتحقق في حال كنس العصابات الصهيونية المستجلبة من كامل فلسطين التاريخية، وهذا الأمر هو ما يجعل من مشروع المقاومة مشروعاً مركزياً للأمة، لن يتوقف إذا ما قُدّر وأنجزت بعض الأهداف المرحلية أو التكتيكية، فحماس وإن كانت ترحب بتحصيل بعض الحقوق كانتزاع دولة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، إلا أنها تنظر إلى ذلك الأمر على قاعدة الخطوة المرحلية التي لا تتنافى واستمرار مشروع المقاومة، واستمرار الأمة في الإعداد صوب الحل الاستراتيجي الشامل الذي يؤذن بحل الصراع، وأن تضع الحرب أوزارها.

وسائل ومحاضن العمل
منذ إشهارها في العام 1987، وقبل ذلك الإشهار، وحماس تضع نصب عينيها حقيقة ذلك الصراع وما يفرضه من تحديات، وما يلزم لذلك من البحث عن توفير الأسباب الموضوعية التي تصلح كقواعد ارتكاز، وبُنى أساسية لانطلاق مشروع مقاومة فاعل وناجع، فحماس لم تكن ترغب في أسلوب الهبّات التي سرعان ما تخمد، ولم تنظر حماس للمقاومة على أنها محض عمليات عسكرية يستلزم توفير أدواتها، فالمقاومة كانت تعني لدى حماس إطلاق مشروع تحرر وطني قادر على الصمود، وفي سبيل ذلك عملت الحركة على تهيئة الظروف الذاتية والموضوعية، وقد تجلى ذلك في التالي:
1 - الحرص على صياغة المجتمع المقاوم:
راهنت حماس على أن المجتمع الفلسطيني المرتبط بموروثه العقدي هو القادر على النهوض بمشروع المقاومة، فالمقاومة لا يمكن أن تؤتي أُكلها إذا انطلقت من مفاهيم استحواذية، وقواعد حزبية تغالي في الطابع التنافسي الدعائي، والعاصم من ذلك استقرار الفكرة والمقاومة في الرحم المجتمعي مع الإقرار ببداهة أن هناك مجالاً، وميداناً رحباً للتنافس المشروع بين القوى والأطياف، وأن الكسوب والأوزان ستتباين كلاً حسب عطاءاته، وبقدر إمكاناته، وبالأخير ستتلاقى تلك المجهودات في بوتقة مشروع التحرر الوطني.
أولت حماس التوعية الاجتماعية ما تستحقه من اهتمام، وثابرت على غرس قيم ومعاني التضامن والتكافل باعتبارها مرتكزات وأساسات بناء المجتمع المقاوم، وعملت الحركة على تركيب تلك المعاني على الجذر الاعتقادي حتى تترسخ القناعة بها، وتثبت صدقيتها.
2 - تفعيل محاضن التربية:
توقفت حماس طويلاً أمام محطة الإعداد، والتأهيل التربوي، فالحركة التي تتخذ من الإسلام منهجاً لها عرفت أن الأعمال الجهادية تعني صقل الشخصية، وضبطها على هدى التعاليم الإسلامية حتى تحتمل وعورة الطريق ومشاقه، وتصمد في وجه التحديات والمغريات، فصلابة البناء الداخلي للحركة، وبالتالي فاعلية أدائها الجهادي منوط بقدرة المحاضن التربوية على إنتاج الشخصية الجهادية، ولأهمية ذلك الأمر فقد حرصت حماس على التزام الصبر، والتأني حتى لا تتعجل وتستعجل الثمرة قبل نضجها، وقد عاب الكثيرون على رجالات الحركة الإسلامية في فلسطين ما ظنوه قعوداً عن واجب الجهاد، إلا أن الحركة الإسلامية لم تبنِ سياساتها على الاستجابة لمثيرات العواطف، ولم تنجرف وراء الاستفزازات.
وحينما حانت ساعة الانطلاق أدرك المتعجلون الحكمة وراء التأني والمغزى من الصبر والمثابرة، وقد جنت حماس ثمار ذلك؛ ففي الأوقات الحرجة، وفي لحظات التحدي المفصلية أثبتت الحركة أن لديها محاضن تربوية فاعلة، وأن عود الحركة قد صلب بحيث غدت عصية على الكسر والاختراق، فإبان الانتفاضة الأولى أقدمت قوات العدو الصهيوني على ملاحقة الحركة، واعتقال عدد كبير من قياداتها على رأسهم الشيخ أحمد ياسين، وقد ظل بعض هؤلاء فترات طويلة في السجون الصهيونية وعندما لم تفلح هذه الضربات في إضعاف الحركة أقدمت القوات الصهيونية على إبعاد 415 فلسطينياً معظمهم من حماس.
وقد وصلت التحديات ذروتها في انتفاضة الأقصى، فتم استهداف الكادر السياسي الأعلى لحماس بشكل كامل، حيث تم اغتيال الشهيد إسماعيل أبو شنب، والدكتور إبراهيم المقادمة، وجرت محاولات اغتيال للشيخ أحمد ياسين، وإسماعيل هنية، ومحمود الزهار، وعبد العزيز الرنتيسي، إضافة إلى عدد من الشهداء قارب عددهم 250 شهيداً منذ انطلاقة انتفاضة الأقصى، وحتى الربع الأخير من العام 2003. وإلى جوار ذلك تم اعتقال عدد كبير من كوادر ونشطاء الحركة ناهز عددهم 2500 معتقل، ورغم ذلك ظلت الحركة قادرة على التعافي من الضربات والصمود في وجه التحديات، والفضل في ذلك –بعد توفيق الله- يعود لما أولته الحركة من اهتمام لمحاضن التربية، ومصانع صهر الرجال في طريق لا يصلح للسير فيه إلا المجاهدون.
لم يتوقف عطاء حماس عند التضحيات السخية لرجال الحركة، والأعمال العسكرية، والتي احتلت حماس موقع الصدارة في سجلها، فقد وصلت نسبة حماس في إلحاق الخسائر بالعدو الصهيوني 45.4%. لم تتوقف حماس عند ذلك الأمر، فالحركة التي أسست رؤيتها في إطار النظرة التكاملية لمشروع المقاومة لم تكن لتتخلى عن الدور الاجتماعي، ومن ثم انخرطت الحركة في تقديم العون لأبناء شعبها، وقد حازت حماس ثقة الشعب الفلسطيني جراء أدائها الفاعل والشفاف في ميدان العمل الاجتماعي، وقد اضطر للاعتراف بهذا العمل البارز للحركة خصومها ومعارضوها، حتى بعضاً من دول الاتحاد الأوروبي طالبت بالتريث قبل وضع الحركة على لائحة الإرهاب نظراً للدور الاجتماعي الفاعل لمؤسسات الحركة في الأراضي الفلسطينية، وأنها لا تقتصر على النشاطات العسكرية فقط.

مشروع المقاومة
وقد يثور التساؤل الذي يطرحه بعض المغرضين حول الأهداف الموضوعية جراء ذلك، فالبعض يتوهم أن الحركة تفتقد إلى الوعي السياسي، ولا تنظر إلى المقاومة إلا على قاعدة الأمر الديني المجرد، وبمعزل عن سياقات الواقع، ودون النظر إلى ضرورة أن تؤسس المقاومة لإنجازات ملموسة للقضية الفلسطينية، وبغض النظر عن دوافع هذه التساؤلات ودون البحث في النوايا، فإن حماس وبالنظر إلى محدداتها الإدراكية للصراع، وبالتوازي مع إنجازات مشروع المقاومة تؤكد على أن المقاومة تقود إلى الأهداف الآتية:
1 - محاصرة العدو الصهيوني وحشره في دائرة التأزم والإنهاك بما يعني استنزاف طاقاته وتبديد قدراته، الأمر الذي يؤدي إلى توهينه وإضعافه، وهو ما يقود بالتالي إلى الحد من انطلاقه، وما يوفر الفرص لتحسين أوضاع الأمة، وتصويب معادلة موازين القوى المحتلة لو أحسنت النظم العربية ترتيب أوضاعها.
2 - ستؤدي المقاومة عبر تراكم إنجازاتها وتوصل تداعياتها المنهكة للعدو الصهيوني لتوليد اتجاهات إذعانية ترضخ لحقائق الواقع، وتستجيب لتقديم ما يلي: الحدود الدنيا للحقوق الفلسطينية بعد أن جرب الفلسطينيون ملهاة التفاوض، ومقامراته العبثية، والتي لم تجن منها الساحة الفلسطينية إلا التوترات الداخلية وتعكير الأجواء.
3 - قطعت المقاومة الطريق على مشاريع التطبيع، وفتحت أعين الأجيال العربية والإسلامية النائية على حقيقة العدو الصهيوني الذي حاول البعض أن يظهره في صورة الشريك المسالم.
4 - أطلقت المقاومة نزعات الممانعة على الصعيد العربي والإسلامي من عقالها، وحفزت على النهوض، وهو الأمر الذي يقلق القطب المهيمن على الواقع السياسي الدولي والداعم الأساسي للعدو الصهيوني.
5 - فتحت المقاومة نوافذ الأمل وأعطت القدوة للجموع العربية والإسلامية، ووضعت كل الشرائح أمام مسؤولياتها واستحقاقاتها.
وأخيراً يمكن التوصل إلى سر الحنق الصهيوني على حماس والسبب في احتلالها صدارة الأخطار التي تتهدد الكيان الصهيوني؛ فحماس تمتلك وضوح الرؤية، وتطرح استراتيجية متكاملة لمشروع المقاومة، الأمر الذي ينذر بإرهاصات التصدع في بناء العدو الصهيوني.

 

الحرب على حماس.. الدوافع والتداعيات


علاء النادي/باحث في العلوم السياسية
ربما أثار استغراب البعض واندهاشهم تلك الحملة المستعرة على حركة حماس، فالحركة التي تدافع عن حقوق شعبها، والتي تتعرض ومعها جموع الشعب الفلسطيني للتنكيل، والتي يتعرض أبناؤها للاغتيال والتصفية والدهس تحت عجلات المجنزرات الصهيونية، تحوّلت بين عشية وضحاها إلى ((منظمة إرهابية)) وحركة تطرف تهدد السلام والاستقرار العالمي!!
ومن اللافت أن هذه الصفات وتلك النعوت قد وردت على لسان الرئيس الأمريكي وفي متون خطاباته، وقد سبق وأن أعلن ذات الرئيس عن خلع لقب رجل السلام على رئيس الوزراء الصهيوني الذي يعطي أوامر التصفية والهدم والتجريف.
قبل الحديث عن البواعث والدوافع الحقيقية لتلك الحملة واستجلاء مفاعيلها وتداعياتها يتوجب معرفة الفاعل الأساس والمحرك الرئيس لهذه الحملة، وتوضيح ذلك الأمر يبدو شديد الصلة بالقدرة على الإحاطة بالبواعث الحقيقية لتلك الحملة.
بات القاصي والداني يدرك أن الحملة على حماس انطلقت من أروقة البيت الأبيض؛ ذلك البيت الذي تسكنه الآن إدارة حاكمة يهيمن عليها ائتلاف تستولي على ذهنيته طموحات التفرد التام والمطلق بإدارة المشهد الكوني وتحركه شطحات لاهوتية تدفعه إلى التماهي التام مع اليمين الصهيوني.
الحملة على حماس تتأسس على قاعدة التلاقي التام والشراكة الاستراتيجية بين اليمين الحاكم في الكيان الصهيوني ونظيره في البيت الأبيض، فقد عملت اللوبيات الصهيونية على استغلال أحداث 11 أيلول/سبتمبر من أجل وضع كل خصوم العدو الصهيوني، وكل معارضي السياسات الأمريكية تحت لافتة الإرهاب.

خلفيات الحملة
إذا ما تم تحديد الفاعل الأساس والمحرك الرئيس للحملة ضد حماس أمكن التعرض للدوافع الحقيقية لهذا المحرك ومعرفة السر في توجيه الحملة وتكثيفها ضد حماس تحديداً.
فالعدو الصهيوني يريد توفير غطاء لأعماله الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني، وبما أن حماس تقف في طليعة القوى المقاومة على الساحة الفلسطينية وتسبب أعمالها الجهادية تأزمات لا تنتهي للواقع الصهيوني كان وضع الحركة على لوائح الإرهاب يمنح التبريرات ويعطي الأعذار لـ(إسرائيل)، وهي تمارس أعمال القتل المتعمد لقادة ونشطاء حماس، فكل ذلك يبدو مستساغاً لدى المولعين بالحرب على الإرهاب، وإذا كان هذا الهدف يبدو في صلب اهتمامات الفريق الحاكم في البيت الأبيض، والذي تربطه بالعدو الصهيوني روابط عضوية، فإن الإدارة الحاكمة في البيت الأبيض لديها مبررات إضافية لاستهداف حماس وتجريد الحملات المتلاحقة ضد الحركة.
فحماس لا تكف عن انتقاد وتعرية الانحياز الأمريكي السافر ضد العدو الصهيوني، وحماس تطرح أفكاراً تدعو إلى إعادة بناء استراتيجية لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني تقوم على توحيد الأمة وتجميع طاقاتها وتسخير قدراتها للانعتاق من الاستلاب الأمريكي وإطلاق المشروع الحضاري الإسلامي كأساس استراتيجي للتعاطي مع الخطر الصهيوني الذي يشكل امتداداً للمشروع الاستغلالي الغربي، وخاصة بعده الأمريكي، ولأن حماس تنهض بواجبها في مقاومة الاحتلال فإن طروحاتها تستولي على عقول وقلوب الكثرة في الواقعين العربي والإسلامي، وهذه الجاذبية والصدقية لطروحات حماس فوق تأثيراتها السلبية على الحليف الصهيوني، فإنها تغذي اتجاهات الممانعة ضد السياسات الأمريكية في المنطقة وتعطي الحافز والنموذج للوقوف في وجه الأطماع الأمريكية، أعمال حماس الجهادية تثير القلق الهستيري في دوائر الحكم في واشنطن، فتلك الأعمال سيجري محاكاتها في العراق، ومن ثم فإن الخطر المباشر لأعمال حماس وطروحاتها صارت تهدد وبشكل مباشر الاحتلال الأمريكي للعراق.
حركة حماس برصيدها المتنامي في الشارعين العربي والإسلامي صارت تمثل النموذج والقدرة، وكلما أوغلت حماس في المقاومة أوغلت بالتبعية في كشف الانحياز السافر للعدو الصهيوني من جهة، وأججت مشاعر العداء للتواجد الأمريكي من ناحية أخرى، كما أنها تؤدي إلى تكثيف الطلب الاجتماعي لنخب الحكم في العالمين العربي والإسلامي من أجل إعادة ضبط العلاقة مع واشنطن على خلفية هذه الحقائق.
على ضوء ما سلف فليس من المبالغة القول بأن الحملة المستعرة على حماس، والتي يتولى كبرها ائتلاف اليمين الصهيوني -الأمريكي تنطلق من إدراك هذا الائتلاف- لخطورة الدور الذي تقوم به الحركة، والتي تريد أن تجعل من المقاومة الفلسطينية بؤرة إشعاع لبزوغ المشروع الحضاري الإسلامي ورأس حربة في مقارعة أطماع التوسع والتمرد وأحلام السيطرة ونهب الثروات، والتي تشكل القواسم المشتركة لذلك الائتلاف.

ضغوط أمريكية
من البديهي أن الإدارة الأمريكية تستغل التحولات التي طرأت على الواقع السياسي الدولي، وتمارس نفوذها وتستخدم سيفها وذهبها من أجل أن تدفع أعضاء الأسرة الدولية إلى مشاركتها في تلك الحملة، وقد أثمرت الحملة الأمريكية في صدور قرار عن الاتحاد الأوروبي يقضي بإدراج حماس بكافة أجهزتها السياسية والاجتماعية والعسكرية على لائحة المنظمات الإرهابية، ويمكن استقراء دوافع قرار الاتحاد الأوروبي في ظل خضوع القرار الأوروبي في المآل النهائي للنفوذ الأمريكي، فأوروبا ما زالت غير قادرة على تشكيل كيان قوى قادرة على تبني سياسات مستقلة وفاعلة، إضافة إلى أن العديد من الدول الأوروبية تدور في الفلك الأمريكي، وخاصة التابع البريطاني والدول الشرقية التي تلهث وراء الدعم الأمريكي، والقوى الممانعة لسياسات واشنطن في الاتحاد الأوروبي تأثر قرارها على ضوء المسلكيات البراجماتية ذات الطابع النفعي، إضافة إلى وجود دوافع أيديولوجية لا يمكن إغفالها في صدور قرار الاتحاد الأوروبي.
بالنظر إلى بواعث الحملة على حماس يمكن القول: إن أهداف تلك الحملة تتلخص في السعي لمحاصرة الحركة وتجفيف الدعم المادي لها بغية دفعها إلى التخلي عن مشروع المقاومة، وفي ذلك كسر لكل الاتجاهات الحية والقوى الممانعة في المحيط العربي - الإسلامي، ويتوهم من يسعرون الحملة أن حماس إنما تؤسس مشروعيتها السياسية وتجذرها الاجتماعي في الواقع الفلسطيني استناداً إلى مستوى الأداء الاجتماعي للحركة، وليس خافياً في هذا الصدد أن الحركة عُرضت عليها المغريات المادية من أجل التخلي عن الأعمال الجهادية والتحول إلى فصيل سياسي ينحصر عمله في التنظير والتجريد، وقد كان لافتاً أن الاتحاد الأوروبي قبل إعلان قراره بإدراج حماس على لائحة المنظمات الإرهابية قد هدد بسرعة اتخاذ القرار إذا ما امتنعت حماس عن القبول بالهدنة، إذن فالهدف الأساس للحملة المستعرة على حماس يتركز في محاولة إثناء الحركة عن الاستمرار في طريق المقاومة.

التأثيرات والانعكاسات
ليس من المنطقي القول بأن حماس لن تتأثر على الصعيد العملي بهذه القرارات، فالدعم المالي يشكل رافداً مهمًا لإسناد مشروع المقاومة، إلا أن هذا التأثير لن يصل إلى حد التأثير على قناعات الحركة، ولن ينال من وضعيتها الاستراتيجية، فمن ناحية تعتمد حماس على الدعم الذي يصل إلى المؤسسات الفلسطينية عن طريق المحيط العربي والإسلامي، ومن العسير في ظل الظروف التي تمر بها الساحة الفلسطينية وطبيعة الأوضاع التي تعمل من خلالها الحركة الحكم على مستوى ذلك الدعم ودرجة تأثره، إلا أن الشيء المؤكد أن حركة حماس حازت مشروعيتها ونالت ثقة الشعب الفلسطيني من خلال تصدرها للعمل المقاوم، وعبر التضحيات التي قدمتها الحركة، وعلى هذا فإن العمق الشعبي والالتفاف الجماهيري حول حماس لن يتأثر بمفاعيل تلك الحملة، بل إن العكس هو الصحيح فتلك الحملة الظالمة تؤكد على نقاء الحركة وطهوريتها، وتدلل على ارتباطها بمصالح وحقوق شعبها، وإلا لما طالها كل ذلك، ومن شأن ذلك أن يدفع بالجماهير الفلسطينية إلى تعزيز الثقة بحماس وزيادة الالتفاف حولها.
بنزعة وثوقية ملؤها اليقين يمكن الجزم بأن حماس لن تلين إزاء هذه الحملة، وكما أثبتت الحركة في اللحظات الكاشفة والمواقف الحاسمة صلابة عودها وارتباطها بمشروع المقاومة ارتباط الروح بالجسد، فإن الحركة ستواصل بإذن الله تقديم البراهين على أن مشروع المقاومة في الساحة الفلسطينية شب عن الطوق ولم يعد قابلاً للاحتواء أو الكسر، ولئن كانت حماس قد صدقت ووفت وبذلت وأعطت فإن جميع أبناء الأمّة مدعوون للنهوض بواجباتهم والوعي بمسئولياتهم وتقديم كل سبل الإسناد والدعم والتمرس خلف مشروع المقاومة والممانعة والاصطفاف مع حماس في وجه تلك الحملة التي يحركها أعداء الأمة، والتي لا تستهدف حماس بمفردها بقدر ما تستهدف الأمّة بأسرها.


 

حماس: هل تنجح سياسة الاستئصال والإقصاء؟


القاهرة/أحمد تهامي عبد الحي
تمر حركة حماس بمنعطف خطير، ربما يكون من أخطر التهديدات التي واجهت الحركة الإسلامية في فلسطين منذ بدء الانتفاضة، وربما من قبل ذلك بكثير إلى ما بعد حرب 48. وقد مرت الحركة بالعديد من التحديات الخطيرة، من قبيل اعتقال أبرز مؤسسيها خصوصاً الشيخ أحمد ياسين عقب اندلاع الانتفاضة الأولى في 1987، ومروراً بعملية الإبعاد الشهيرة لأكثر من أربعمائة من القيادات والكوادر الفعالة في الحركة إلى مرج الزهور بجنوب لبنان في عام 1992، ثم محاولات القضاء على الحركة وتفكيكها في أعقاب سلسلة العمليات الاستشهادية الضخمة التي ضربت العمق الإسرائيلي للمرة الأولى في تاريخ الصراع في عام 1996، والتي جاءت رداً على اغتيال أبرز قادة الجناح العسكري للحركة الشهيد يحيي عياش، وفي ذلك الوقت اعتبرت العديد من القوى الدولية والإقليمية حماس بمثابة التهديد الأبرز لعملية التسوية، والتقت هذه الدول في شرم الشيخ في قمة مواجهة ((الإرهاب))، كما أرادتها أمريكا و(إسرائيل) أو قمة صانعي السلام، كما أرادتها الدول العربية، وأسفرت نتائج هذه القمة عن قيام السلطة الفلسطينية بحملة ضخمة ضد الحركة شملت اعتقال الآلاف من زعماء الحركة وكوادرها، وإقفال العديد من المؤسسات والجمعيات الخيرية. وإذا كانت هذه هي أخطر التحديات التي واجهتها حماس منذ إنشائها في عام 1987 إلا أن التهديدات الإسرائيلية ضدها لم تتوقف أبداً، من قبيل محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي الأستاذ خالد مشعل في عمان وغيرها، واغتيال القادة السياسيين الشيخ جمال منصور وجمال سليم، إلى جانب عدد كبير من القيادات العسكرية والميدانية، بل توافقت معها جهود أمريكية وعربية أحياناً من أجل قمع الحركة، مثل اعتقال الولايات المتحدة لموسى أبو مرزوق؛ رئيس المكتب السياسي السابق للحركة، وقيام السلطات الأردنية بإبعاد أعضاء المكتب السياسي من الأردن.

القدرة على التجدد والاستمرار
وفي الحقيقة يمكن للمرء أن يضع افتراضًا مفاده أنه كلما تعاظمت التهديدات ضد حماس كلما أدى ذلك لزيادة شعبيتها ورصيدها بين الجماهير العربية والإسلامية، باعتبارها طليعة المجاهدين التي تقف في وجه توسع العدو الصهيوني وتنهكه، مما يمنحها في النهاية مزيداً من القوة. وقد كان للعديد من العمليات الإسرائيلية ضد حماس أثراً عكسياً، فعملية مرج الزهور أدت إلى دعم وتطوير علاقات حماس الخارجية مع العديد من الدول والقوى الإقليمية، وأكسبتها تعاطف العالم الخارجي. أما أخطر التهديدات التي واجهتها حماس فكانت عمليات القمع التي قامت بها السلطة الفلسطينية ضد الحركة في عام 1996؛ لأنها جاءت من جهة فلسطينية، قد تختلف معها الحركة، لكنها لا يمكن أن ترفع السلاح في وجهها، وإلا تحولت إلى حرب أهلية يزكيها العدو الصهيوني، ويعتبرها أفضل بديل استراتيجي لإنهاء القضية الفلسطينية.
لقد أظهرت حماس دوماً قدرة فريدة على التعامل مع هذه الأزمات بطريقة حافظت على بقاء واستمرارية دور الحركة، فحماس تمكنت من أن تحيك استراتيجية فعالة في التعامل مع تطورات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، استراتيجية تجمع بين المحافظة على ثوابت القضية، ومرونة التعامل مع المتغيرات دون تفريط في الأهداف الأساسية. فقد توفرت للحركة قيادة سياسية وروحية حافظت على تماسك رؤيتها الاستراتيجية مهما تغيرت الظروف الموضوعية في البيئة الخارجية. وقد نجحت الحركة في أن تجمع بين أمرين قلما نجح تنظيم فلسطيني في الجمع بينهما، ألا وهو قيادة سياسية محنكة، لديها القدرة على تقدير حسابات الربح والخسارة من منظور استراتيجي، وقدرة عسكرية قادرة على التجدد والتنامي، وإيقاع أفدح الخسائر بخصمها، على الرغم من اختلال موازين القوى المادية.
وفي الحقيقة فإن ثبات عناصر الرؤية الاستراتيجية لطبيعة الصراع وأطرافه لا تنفي وجود مرونة وقدرة كبيرة على المناورة السياسية، لدرجة يعتبرها البعض نوعاً من أنواع البراجماتية، ومن أمثلة ذلك: استمرار تأكيد الحركة على التزامها بخيارها العسكري الجهادي ضد (إسرائيل)، ولكنها تقبل الهدنة فكرياً وعملياً. وقبل اندلاع انتفاضة الأقصى كانت الحركة ترفض باستمرار أن توقف العمليات الاستشهادية، ولكنها قررت ألا يقوم منفذوها بالانطلاق من أراضي السلطة الفلسطينية، وقصرت ذلك على المناطق التي تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية وفقاً لاتفاق أوسلو، كما أصبحت هذه العمليات تخضع لحسابات حساسة تتعلق بظروف التوقيت، مما يعني إمكانية حدوث فترات توقف طويلة أو قصيرة.

خطورة التهديد الحالي
يختلف التهديد الراهن لحركة حماس عن التحديات التي واجهتها الحركة من عدة جهات بعضها يتعلق بتغير في نوع التهديد أو في درجته فقط، ولكن الوضع الراهن يشير إلى وجود جوانب قوة وأوراق عديدة يمكن للحركة أن تستثمرها:
1 - إنه يجيء في سياق ظرف دولي معارض بقوة لتوجهات الحركة خصوصاً العمليات الاستشهادية، وتوجه أمريكي يضغط من أجل تفكيك الحركة ومؤسساتها. ويلاحظ أن الظرف الدولي في السابق كان أقل عداء للحركة، فقرار الإبعاد إلى مرج الزهور جاء في النهاية في صالح الحركة، حيث اضطرت (إسرائيل) إلى إعادة المبعدين تحت الضغط الدولي، وصدور إدانة قوية من مجلس الأمن للقرار الإسرائيلي. أما الآن فالحركة أصبحت من وجهة النظر الأمريكية والأوروبية حركة إرهابية: من الضروري تفكيكها، والتخلص منها، والتعامل معها بنفس الطريقة التي يتم بها التعامل مع تنظيم القاعدة، أي بالاغتيال والقتل من وجهة النظر الأمريكية أو تحجيمها وإلغاء دورها العسكري من وجهة النظر الأوروبية.
2 - وجود حكومة يمينية متطرفة ربما تكون الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ (إسرائيل)، وقد أظهرت هذه الحكومة فشلاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً أمام مواطنيها، على الرغم من تبني الخيار العسكري كخيار وحيد في مواجهة الانتفاضة، وهي تحاول رفع سقف الخيار العسكري أخيراً، بالتركيز على استهداف القيادات السياسية الروحية للحركة وهي بطبيعتها أهداف سهلة عسكرياً، ولكنها تحقق للمتعصبين نصراً شكلياً. وإذا نجحت حماس في الصمود أمام إرهاب شارون وموفاز فسيؤدي ذلك إلى فشل سياسة اليمين الصهيوني، وربما خروجه من دائرة السلطة في الانتخابات القادمة.
3 - الوضع العربي الرسمي يكاد يمر بأسوأ أزمة في تاريخه، فكل الدول العربية معرضة لضغوط أمريكية ضخمة، ويجد بعضها أن مصلحتها الأساسية في تطوير العلاقة مع الولايات المتحدة، والتوافق مع سياستها توافقاً كلياً، فبدلاً من الدعم المعنوي وأحياناً المادي الذي كانت تقدّمه الدول العربية المجاورة للانتفاضة، تم رويداً رويداً التخلي عن تقديم هذا الدعم كلية، ثم تمت محاولات اتخاذ إجراءات لمحاصرة الحركة. ويعاني الوضع العربي الرسمي من إشكالية خطيرة تتمثل في ازدواجية موقفه بين احتياجه إلى دور حركة حماس كقوة تقارع (إسرائيل) وتشغلها داخلياً عن التوسع الإقليمي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وتشكل قوة ضغط عليها من أجل تقديم تنازلات حقيقية في عملية التسوية من جانب، وبين خشيته من تنامي المشاعر المؤيدة للانتفاضة، وما تؤدي إليه من تحركات شعبية تخشى السلطات أن تخرج عن الدور المرسوم لها من ناحية أخرى.
وفي المقابل فإن العمق الشعبي المساند ما زال فاعلاً، ويساند الانتفاضة بقوة، وبدا أنه أخذ يتجاوز حالة الإحباط التي مر بها عقب احتلال العراق، وقد تجلى ذلك في قوة المواقف الشعبية التي رفضت القرارات الرسمية الأردنية واللبنانية حول الحسابات المصرفية.
4 - الداخل الفلسطيني: يظهر الشعب الفلسطيني مزيداً من التمسك بفكرة المقاومة، على الرغم من قسوة القمع الإسرائيلي، باعتبارها الوسيلة الأساسية أمام التطرف الإسرائيلي. وتستمد حماس قوتها من التأييد الشعبي الكبير للمقاومة. وتبقى الإشكالية الحقيقية فيما يتعلق بالعلاقة بين السلطة وحركة المقاومة، فالسلطة تخضع لتحريض وضغوط خارجية كثيفة من أجل وقف المقاومة وقمعها، بل إنه يبدو أن جزءاً من شرعية السلطة الفلسطينية لدى القوى الخارجية يرتبط بقمع حركات المقاومة، وبينما يلاحظ حرص بعض قيادات السلطة على الوحدة الوطنية فإن هناك من يريد فرض وقف المقاومة بالقوة، تبعاً لذرائع مختلفة مثل وقف عسكرة الانتفاضة، أو إنهاء فوضى حمل السلاح، فلم تنجح السلطة الفلسطينية حتى الآن في توظيف الضغوط العسكرية للانتفاضة على طاولة المفاوضات.
5 - الوضع داخل حركة حماس: تبذل العديد من القوى جهوداً ضخمة من أجل اللعب على التوازنات داخل الحركة وإحداث انقسامات فيها، وذلك من قبيل اللعب على وتر العلاقة بين ما يسمى المتشددين والمعتدلين، أو العلاقة بين حماس الداخل وحماس الخارج. وقد ثبت فشل جميع هذه المحاولات، فالصف الداخلي في حماس متماسك، ولعله أبرز عناصر قوة الحركة.
ونظراً لتميز هذا الجيل ومهاراته السياسية وقدرته على التعامل مع الإعلام فقد أعطى الحركة زخماً جماهيرياً ودعائياً كبيراً في الشارع العربي والإسلامي. وفي الواقع فإن قيادات هذا الجيل من الصعب تعويضها نظراً لما تحتاجه عملية تكوينه وإعداده من وقت وجهد كبيرين، قد يكون أكبر من نظيره الذي ينفق على القادة العسكريين.
والخلاصة أن الوضع الدولي والعربي قد تغير بقوة منذ أحداث أيلول/سبتمبر 2001 وصعود اليمين المحافظ في أمريكا و(إسرائيل)، بصورة قلصت من هامش المناورة السياسية أمام الحركة، وجعلت من الصعب على السلطة الفلسطينية والدول العربية الاستفادة من الضغوط العسكرية للمقاومة الفلسطينية التي صارت تخضع لضغوط ومحاولة استئصال إسرائيلية بتشجيع أمريكي، دون مساندة من الدول العربية. وعلى الرغم من خطورة التهديد الراهن للحركة وقادتها، إلا أن الخبرة التاريخية تؤكد قدرة الحركة على الصمود، وتجاوز الوضع الصعب ربما إلى وضع أفضل بكثير.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003