فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Dec2003
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
شؤون العدو
حوار
تحقيق
الغلاف
الملف
شؤون عربية
شؤون إقليمية
شؤون دولية1
شؤون دولية2
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
أنشطة
تقرير
قضايا
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

الغلاف

"الحكومة العلائية" و"وثيقة جنيف" و "الهدنة اللادائمة":
ثلاث قضايا أمام الانتفاضة في عام 2004

القدس/مها عبد الهادي
شهد الصراع في فلسطين المحتلة خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي تطورات نوعية، بدأت تنعكس بقوة على الوضع داخل أروقة سلطة الحكم الذاتي من جهة والكيان الصهيوني على الطرف الآخر، مؤشرة إلى بداية تبلور مرحلة جديدة بدأت سماتها بالظهور.
لكن هذه التطورات التي سيجري الحديث عنها تبرز ليس فقط المأزق الذي وصلت إليه سلطة الحكم الذاتي، بل وأيضاً مدى مأساوية الوضع الذي انتهت إليه بعدما تخلت عن كل أوراقها بما فيها ورقة الانتفاضة.
وبالإمكان تأطير تلك التطورات التي كانت محل نقاش واهتمام على المستوى السياسي الفلسطيني والمستوى العام في ثلاث قضايا:

الحكومة العلائية
منذ تكليفه بتشكيل الحكومة قبل شهرين ونيّف واجه رئيس المجلس التشريعي السابق أحمد قريع تعقيدات الحالة السياسية التي واجهها سلفه، مما جعله يتقلب في نوعية وحجم ومدة عمل حكومته على نحو ضاق به الشارع، الذي يرى في الممارسات الإسرائيلية اليومية بحقه أولوية لا تعلوها أخرى.
فقد تنقل قريع من الحكومة العادية الموسعة إلى الحكومة الضيقة إلى حكومة الطوارئ المؤقتة، إلى أن تمكن من تشكيل حكومته الجديدة ظهر الأحد 9 تشرين الثاني/نوفمبر، بعد أن توصل إلى اتفاق مع الرئيس عرفات بشأنها.
وواجه في غضون قيامه بمهمة تشكيل الحكومة صعوبات جعلته يلمّح أكثر من مرة لنيّته التنحي بعد انتهاء ولاية حكومته الأولى ((الطوارئ)).
وإلى جانب ما تركته الخلافات الداخلية بشأن الحكومة من آثار محبطة في الشارع الفلسطيني فقد تركت آثاراً من نوع آخر لدى المراقبين الذين يرون بأن نمطاً واحداً هو الذي بات يحكم خط سير الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، ومنهج تفكيرها، والسياسات التي تنتهجها، بل والمصطلحات التي تستخدمها، وكأن الذي يجري هو ((عملية استنساخ)) للنمط الفاشل الذي انتهجته الحكومة الفلسطينية الأولى التي أنشئت بناء على اتفاقية أوسلو كما شخصها القيادي البارز في حركة حماس د. عبد العزيز الرنتيسي.
أما الرأي العام الفلسطيني فلم يُولِ أي اهتمام أو مبالاة لما كان يدور بين تيارات السلطة المتباينة من منازعات على إشغال المناصب الوزارية. فالحكومات بالنسبة للجمهور الفلسطيني هي واحدة طالما أن تغيير الحكومات لا ينعكس بأي تغيير حقيقي على الوضع المأساوي الذي يعيشه منذ سنوات.
وقد أثار أداء إخراج الحكومة بصورتها النهائية حفيظة أكثرية الرأي العام الفلسطيني، الذي رأى اختلالاً في الأوزان، بين ما هو مطلوب رسمياً للرد على الاستباحة الإسرائيلية الشاملة للوطن والمواطن، وبين ما هو مطلوب لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني ومن ضمنه تأليف حكومة بمستوى المخاطر والتحديات. فغالبية الشعب تتفق أن أهل السلطة غلّبوا الطموحات الشخصية والفئوية على كل ما عداها، وقدّموا نموذجاً سيئاً للمواطنين المثقلين بالإجراءات الوحشية الإسرائيلية وبالحاجة إلى ما يسدّ جوعهم.
والمواطن الفلسطيني العادي فقد حقيقة الثقة في أن تكون هذه الحكومة مختلفة في ممارستها للحكم وبمنهج عملها عن الحكومة العباسية التي سبقتها، وأنها لن تنجح حيث أخفقت الحكومة العباسية، سواء على الصعيد السياسي أو الداخلي طالما أن العوامل الخارجية هي التي تتحكم بشروط نجاحها أو إخفاقها.
لذلك فإن الكثير من المراقبين لا يرون أي اختلاف بين هذه الحكومة وبين الحكومة العباسية التي سبقتها، ويرون أنها قد لا تعمر طويلاً مثلها، وقد تنتهي إلى ما انتهت إليه، وربما بشكل أقل دراماتيكية، إذا ما أخفقت في شق الطريق لقضايا تشكل العناوين الرئيسة للحكم عليها بالنجاح أو الفشل.
فتشكيلة الحكومة ذاتها تعاني من العلل نفسها التي ألمّت بالحكومة العباسية، حيث جاءت ضعيفة وأبعد ما تكون عن الربط بين مهام الحكومة وبرنامجها وبين التشكيلة نفسها كأداة لتنفيذ هذا البرنامج وهذه المهام، وهي تكرار لتشكيلات سابقة والانحباس في أنماطها والخضوع لمعاييرها.
أما البرنامج الذي ألزمت نفسها به أمام المجلس التشريعي، فهو تقريباً برنامج الحكومة العباسية بثغراته وما اتسم به.

وثيقة جنيف
طالعنا أهل أوسلو بوثيقة تفاهمات في البحر الميت المسماة وثيقة ((جنيف))، تتويجاً لمباحثات سرية طويلة الأمد دارت رحاها على مدار أشهر في العواصم العربية والعالمية بين ((جماعة أوسلو)) وبين تجمع لسياسيين وعسكريين إسرائيليين سابقين ينتمون لمعسكر ما يسمى باليسار الصهيوني، الذين لا يملكون أية سلطة فعلية داخل مؤسسات الدولة العبرية.
ومع إدراك غالبية الشعب الفلسطيني للحقيقة القائلة إن مصير هذه الوثيقة كغيرها هو رفوف الأرشيف، إلا أن الجميع يدرك تماماً خطورة هكذا خطوة خاصة وأن الوثيقة تتضمن اختلالات كبيرة، يمكن إيجازها بالآتي:
أولاً: الدولة الفلسطينية غير مستقلة ولا تتمتع بالسيادة، وما يؤكد على ذلك:
- القوة متعددة الجنسيات تقوم بحماية سلامة أراضي دولة فلسطين (قوة ردع). وتقوم بتنفيذ المهام على المعابر الحدودية الدولية، ومراقبة الحدود البرية والبحرية ولا يمكن سحب القوة أو تغيير تفويضها إلا بموجب اتفاق بين الطرفين (إسرائيل) وفلسطين.
- وجود إسرائيلي غير مرئي في المعابر له حق المطالبة بالتفتيش.
- وجود محطتي إنذار مبكر في شمال ووسط الضفة.
- تبقي (إسرائيل) على وجود عسكري مصغر في غور الأردن تحت سيطرة القوة المتعددة لمدة 36 شهراً إضافية.
- يحق لسلاح الجو الإسرائيلي استخدام المجال الجوي الفلسطيني لأغراض التدريب.
- الدولة الفلسطينية دون جيش ودون تسليح.
ثانياً: إن الوثيقة تجيز التوسع الكولونيالي الإسرائيلي من خلال السماح ببقاء المستعمرات الأساسية في المواقع الاستراتيجية الحساسة، القدس ومحيطها، محيط بيت لحم ((غوش عتصيون)) والشمال والوسط على امتداد الخط الأخضر, ولا يمكن تغطية هذا الخرق الجوهري بتبادل الأراضي كماً ونوعاً، فإذا كان الكمّ صحيحاً، فإن النوع يختلف جوهرياً ولا يمكن المقارنة بين النوعين من الأراضي.
ثالثاً: التعامل مع حق العودة أقرب إلى المفهوم الإسرائيلي حيث تم الهبوط عن قرار الشرعية الدولية (194)، يقول يوسي بيلين في مقابلة مع ((يديعوت أحرونوت)): إن جوهر وثيقة جنيف هو ((التراجع عن حق العودة لإسرائيل)).
ويكفي لتلخيص مدى خطورة الوثيقة ما قاله عميرام متسناع أحد المشاركين في مفاوضات سويسرا في مقالته المنشورة في صحيفة هآرتس العبرية في 16/10 إنه ((إذا انتخب رئيس وزراء لتطبيق مبادرة جنيف فسيدخل التاريخ بصفته مؤسساً لدولة (إسرائيل) اليهودية الديمقراطية على أساس الاتفاق والموافقة، ومثل هذه الخطوة ستكون أهم من الإعلان عن إقامة الدولة في عام 1948)).
وإشارته في فقرة أخرى في ذات المقال إلى المدى الذي وصل إليه الجانب الفلسطيني المصادر للقرار الوطني بقوله: ((هم تنازلوا عن حق العودة لدولة (إسرائيل) وتم ضمان وجود أغلبية يهودية راسخة، حائط المبكى والحي اليهودي وقلعة داود ستبقى بأيدينا. الطوق الخانق الذي فرض حول القدس أزيل وستكون كل المستوطنات المحيطة بها: جفعات زئيف، معاليه أدوميم، وجبعون القديمة والجديدة وغوش عتسيون، والنبي يعقوب، وبسغات زئيف والتلّة الفرنسية وراموت وجيلو وأرمون هنتسيف، كلها ستكون جزءاً من المدينة الموسعة إلى الأبد. لن يضطر أحد من هذه التجمعات السكانية للرحيل عن بيته)).
أي بلغة أخرى وبكل بساطة تم التنازل عن أعقد قضايا الصراع والقفز فوق أسبابه التي أدت إلى اندلاعه في بدايات القرن المنصرم وهي الأرض، التي تم الاتفاق بوثيقة جنيف على القفز فوق قرارات مجلس الأمن التي تطالب الدولة العبرية الانسحاب من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 5 حزيران 1967، بإقرار مبدأ التبادل بين الأراضي، أي بعض المستوطنات التي تبلغ مساحات شاسعة من أرض الضفة الفلسطينية وتشطرها إلى نصفين وتحول مدن الضفة إلى كانتونات منفصلة، وبالتالي الفتح أمام استمرار بقاء هذه المستوطنات قابعة على صدر الأرض الفلسطينية إلى الأبد، والتنازل عن أعقد قضية في الصراع ألا وهي حق العودة للاجئين والقرار الأممي 194.

هدنة إلى متى تستمر؟
هناك العديد من المؤشرات التي تدل على أن هدنة فلسطينية جديدة تلوح في الأفق، لكن السؤال هو ما إذا كانت هذه الهدنة ستصمد أكثر من الهدنة السابقة التي انهارت في آب/أغسطس الماضي تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية بعد شهر ونصف من إعلانها؟
فقد أعطى الرئيس عرفات يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي موافقة لمدير المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان على رعاية مصرية لحوار وطني فلسطيني – فلسطيني يبدأ في القاهرة بعد عيد الفطر مباشرة، ويكون موضوعه التوصل إلى وقف متبادل لإطلاق النار.
وكانت الهدنة الأولى التي أعلنت من قبل القوى الفلسطينية لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد قد انهارت بعد سلسلة اجتياحات واغتيالات سقط فيها عدد من أفراد الحركتين.
وشكلت عملية اجتياح نابلس واغتيال اثنين من كوادر حماس هما خميس أبو سالم وفايز الصدر في حزيران/يونيو الماضي الشعرة التي قصمت ظهر الهدنة، فاتحة الطريق أمام سلسلة ضربات وضربات مضادة حصدت فيما حصدت واحداً من أكثر قيادات حركة حماس بروزاً المهندس إسماعيل أبو شنب.
ووصل التصعيد الإسرائيلي حد اعتبار جميع قيادات حركتي حماس والجهاد الإسلامي هدفاً لها، فقامت باغتيال أبو شنب وقصفت منزل الدكتور محمود الزهار موقعة عدداً من الضحايا بين أفراد أسرته.
وشملت أيضاً محاولات اغتيال فاشلة لكل من الزعيم الروحي لحركة حماس الشيخ أحمد ياسين ومساعده إسماعيل هنية وللرجل الثاني في الحركة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. ودفع الاستهداف الإسرائيلي المباشر قادة الحركة إلى العمل من تحت الأرض.
لكن فشل (إسرائيل) في إحداث تغيير لافت على الأرض عبر عمليات الاغتيال والاجتياح هذه، واتساع حركة التململ والاحتجاج في المجتمع الإسرائيلي على إخفاق الخيار العسكري، فتح الباب، فيما يبدو، أمام تغيير في موقف حكومة شارون في هذا الاتجاه.
غير أن الوصول إلى هدنة جديدة مقرونة بوقف متبادل لإطلاق النار قد لا تشكل أكثر من تهدئة في المواجهة المسلحة.
فرئيس الوزراء الإسرائيلي والذي فشل خياره العسكري في قمع الفلسطينيين وإجبارهم على الإذعان لشروطه، وذلك باعتراف قادة كبار في المؤسستين العسكرية والأمنية، لا يملك رؤية لحل نهائي يقبله الطرفان.
فكل ما صدر عن شارون خلال وجوده على رأس قمة الهرم السياسي في (إسرائيل) في السنوات الثلاثة الأخيرة لم يتجاوز الحديث عن حلول مؤقتة جزئية لا ينهي عوامل التفجر مثل التوسع الاستيطاني ومواصلة مصادرة الأراضي وغيرها.
فالحكومة الإسرائيلية لا زالت تتعامل وكأنها في سباق مع الزمن، فهي ترمي بكل ثقلها في صنع الحقائق غير القابلة للنقض من وجهة نظرها، وتبدو في الوقت نفسه أنها مستعدة للمناورة للتغطية على مشروعها وتمريره دون متاعب كبيرة، فربما تبادر حكومة شارون إلى فتح حواجز وإفراج عن معتقلين منتهية مدة الحكم لديهم، والسماح لآلاف العمال بالعودة للعمل، والدخول في مهزلة مفاوضات الخروج من المدن، إلى غير ذلك من ألاعيب ومناورات لا قيمة ولا معنى لها، طالما بقي العمل في بناء سور الفصل العنصري متواصلاً.
من هنا يبقى وضع علامات استفهام حول مدى قدرة مثل هذه الهدنة على الصمود أكثر معقولية..؟

شارون يخدع الجميع
وما يمكن قوله نهاية إن شارون لا زال يراوغ ويناور كي يخدع الجميع، وحتى يوفر الظروف الأفضل للمضي قُدماً في فرض وقائع مخططه للحل الانتقالي الطويل الأمد على الأرض، وقطع الطريق على أي مقومات حقيقية لقيام دولة فلسطينية سيادية قابلة للحياة، فجوهر مخطط شارون هو تحويل السلطة الفلسطينية من نواة لبناء كيانية سياسية لدولة سيادية، إلى حالة من الإدارة الذاتية تكون في أحسن حالاتها صورة محسنة أو معدلة عن روابط القرى التي حاول إنشاءها وفرضها في بداية الثمانينيات.
وقد يتراجع شارون خطوة هنا أو هناك في ضوء ما يواجهه حالياً من مآزق واعتراضات على نهجه، إلا أن تراجعه لن يكون إلا شكلياً وفي إطار كسب المزيد من الوقت للمضي في مشروعه، وخاصة أنه يعتبر أن الأشهر القادمة حاسمة بالنسبة له، مع انشغال الإدارة الأميركية المتزايد في مأزقها في العراق وانكفائها عن التدخل في الوضع الفلسطيني وإطلاقها ليد شارون، بل ودعمها له.
أما على الجانب الفلسطيني قتبقى النصيحة القائلة بأن سياسة الاستفراد بالقرار الوطني الفلسطيني لن تجلب إلا المزيد من الفرقة وضياع الجهد الوطني على مفاوضات عقيمة.
ففي ظل الحرب الشاملة التي تشنها حكومة تل أبيب بات مطلوباً ممن يتحكم بالقرار الوطني الفلسطيني أن يقترب قليلاً من نبض الشارع الفلسطيني، وأن يدافع عن حقوقه الوطنية الكاملة التي عجزت كل حكومات الدولة العبرية ومن خلفها الإدارة الأمريكية من جعله يتناسى أو يتنازل عن هذه الحقوق.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003