|
المحلّل
الفلسطيني هشام فرارجه:
على السلطة أن تلتفت للشعب وتتمسّك بالثوابت الفلسطينية بدل أن تدخل في متاهات
الهدنة واللقاءات الأمنية
الخليل/خاص
قال المحلل السياسي الدكتور هشام فرارجه أستاذ العلوم
السياسية في جامعة بيرزيت إن الهوة تتسع بين السلطة الفلسطينية والشعب
الفلسطيني، محذراً من الاستمرار في اتساع هذه الهوة إذا لم تتدارك السلطة نفسها
وتضع اهتمامات الشعب الفلسطيني في سلم أولوياتها.
وأكدا فرارجه في حديث خاص أنه رغم الاستقرار النسبي الذي تتمتع به الحكومة
الفلسطينية هذه الأيام إلا أن عدم اختلافها عن الحكومات السابقة وعدم وضوح
أولوياتها يجعل عملية استمرارها أمراً مستبعداً.
وفيما يلي الحوار الذي تطرق أيضاً إلى قضايا أخرى تتعلق بالسلطة الفلسطينية
والحكومة الحالية وأولويات الشعب الفلسطينيي والحوار مع الفصائل.
* بداية بعد مخاض عسير تشكلت الحكومة الفلسطينية برئاسة
أحمد قريع (أبو علاء) فهل يعني ذلك أن الوضع في هرم السلطة يميل إلى الاستقرار؟
• باختصار شديد، واضح تماماً أن السلطة الفلسطينية بهرمها ما زالت تتعرض
لمحاولات كثيرة ومتعددة لإضعافها وإضعاف هيمنتها، لا سيما من قبل رئيس الوزراء
الإسرائيلي أرييل شارون والولايات المتحدة الأمريكية، ويبدو ذلك واضحاً جداً من
خلال الاستمرار في مهاجمة هرم السلطة الأول وهو رئيسها ياسر عرفات، واعتباره
رجلاً ((غير مرغوب فيه))، لذلك هم يعملون على استنفار العديد من الجهات وبعضها
جهات فلسطينية لمحاربة وإضعاف السلطة متمثلة بعرفات.
ربما صحيح أن هذه الآونة تشهد نوعاً من الاستقرار النسبي، لكن الجميع ينتظر أن
يرى الإنجازات، وإذا لم يحدث ذلك فسيبقى وضع السلطة مهدداً بعدم الاستقرار.
* وما مدى قدرة هذه الحكومة على إنهاء الخلافات في هرم
السلطة وتحقيق الاستقرار النسبي سياسياً؟
• التركيبة الحالية للحكومة التي قام بتشكيلها أحمد قريع لا تختلف كثيراً عن
سابقاتها، حيث أن معظم أعضائها وزراء سابقون فلن يقدّموا أو يؤخروا شيئاً للشعب
الفلسطيني، والسؤال هو: هل يمكن لهؤلاء الذين فشلوا في قيادة السلطة في أعتى
الظروف أن يقودوها الآن؟ ثم ما الذي تريده هذه الحكومة.. هل هو وقف إطلاق
النار؟ الشعب الفلسطيني مستاء من الواقع، وليس همه هو محاولة الوصول إلى وقف
لإطلاق النار، لأن هذا من وجهة نظر الكثيرين يخدم شارون في هذه الآونة حيث
يتعرض لأزمات قانونية وسياسية واقتصادية، فحقيقةً أصبح الكثيرون ينظرون لهذه
المحاولات على أنها عملية إنقاذ لشارون بدلاً من أن تكون مهامها الأساسية على
الصعيد الداخلي مساعدة المواطنين وإيجاد متنفس لهم وتحسين الوضع الأمني
والاقتصادي، وعلى الصعيد الخارجي أن تكون مهمة الحكومة التمسك بالثوابت
الفلسطينية بدلاً من أن تدخل في متاهات جديدة كالهدنة واللقاءات الأمنية
وغيرها، دون أن يكون هناك بعد استراتيجي يحقق آمال وطموحات المواطن العادي.
* يرى كثيرون أن وجود جزء كبير من أعضاء المجلس التشريعي
في الحكومة يعطيها الحصانة من المحاسبة، كيف يؤثر ذلك على أداء الحكومة والمجلس
التشريعي؟
• هذا صحيح، فهناك عدد لا بأس به من الوزراء أعضاء في المجلس التشريعي، وهنا
يختلط الحابل بالنابل بين السلطتين التشريعية ممثلة بالمجلس التشريعي،
والتنفيذية ممثلة بالحكومة، وإذا لم يلمس المواطن الفلسطيني إجراءات فعلية
لتحسين وضعه وإجراءات فعلية للمحاسبة سيقوم بمحاسبة المجلس التشريعي قبل
الوزارة، حقيقة هناك شعور بالاستياء، وهناك حاجة للتغيير الجذري في المجلس
التشريعي واللجنة التنفيذية، وإذ لم يتم ذلك فقد يأتي التغيير من الشارع.
* تحدثت الحكومة الجديدة ورئيس المجلس التشريعي عن عقد
انتخابات عامة خلال شهر حزيران/يونيو القادم، هل ذلك ممكن أم أنه محاولة
لامتصاص الغضب الشعبي؟
• ربما الأمران معاً، فقد تكون هناك رغبة في امتصاص غضب الشارع الفلسطيني، خاصة
وأن المجلس التشريعي مضى عليه ثماني سنوات ولا يعقل أن تبقى الشخصيات تتمتع
بذات الشرعية، وحتى لو عرقل الاحتلال هذه الانتخابات فلا بد أن تبتكر السلطة
على المستوى التشريعي وسائل لإجراء الانتخابات.
أما الأمر الثاني فمن الممكن أن تسعى الحكومة بالفعل لإجراء الانتخابات وهذا
يحمل معاني ودلالات كثيرة، فمن ناحية يطرح التساؤل: ما الذي يرغب منه في عقدها؟
إذا كان يقصد منه تنشيط الحياة الديمقراطية فليكن، أما إذا كان محاولة الإطاحة
بعرفات فسيكون لذلك انعكاسات خطيرة، وعلينا أن ننظر كيف تبلور الحكومة برنامج
عملها وخطواتها خلال الأسابيع القادمة وهل تستطيع أن تبقى أم لا.
* هنا أنت تشكك في بقاء الحكومة، وما هي مقومات البقاء حسب اعتقادك، والأسباب
الكفيلة بإسقاطها؟
• حتى تبقى الحكومة يجب في الاتجاه الداخلي أن تقدم إنجازات على الأرض من
النواحي الصحية والتعليمية وما شابه، وفي الاتجاه الخارجي يجب أن تبقي على
القضية الفلسطينية والثوابت الوطنية بدل الدخول في تخبط مع شارون وغيره، وإذا
ما استطاعت السير بحكمة في هذين الاتجاهين فلا أعتقد أنها ستسقط.
في المقابل هناك عدة أسباب كفيلة بإسقاطها؛ كأن تقوم بترتيب وقف لإطلاق النار
تحاول (إسرائيل) استغلاله للاستمرار في عمليات الاغتيال والقتل والاجتياح، وهذا
سيُفقد المواطن الفلسطيني الثقة بها كسابقتها، فالشعب الفلسطيني يريد ألا تلتزم
الحكومة باشتراطات لا تلزم الجانب الآخر.
ومن الأسباب الكفيلة بإسقاط الحكومة شعور المواطن أن هذه الحكومة تكرر نفسها
وتستمر في مظاهر الفساد دون أي مساع حقيقية للإصلاح.
* ما الأولويات التي يجب أن تضعها الحكومة أمامها حسب
اعتقادك؟ وما هي الأولويات التي تراها السلطة وتنفذها على أرض الواقع؟
• ما يجب أن يكون هو الانتباه للوضع الداخلي؛ فمن الدرجة الأولى يجب إيلاء
المزيد من الاهتمام للناحية الصحية وكثير من المرافق ورعايتها رعاية حقيقية،
فلا يعقل أن يكون شعب منكوب دون أن تتوافر له مرافق صحية بمستوى الصعوبات، لذلك
على السلطة أن تتنبّه جيداً للوضع الصحي.
وهناك أولوية أخرى يجب أن تكون أمام الحكومة وهي حل مشكلة البطالة العالية التي
تصل إلى 70%، صحيح أن الاحتلال هو المسبب في كثير من الأوضاع، لكن المطلوب أن
نأخذ الضوابط اللازمة للحياة، ولا بد أن ينظر لهذه المشكلة نظرة جدية لأن ذلك
يخلق مجموعة من التراكمات الاجتماعية لا يمكن لأحد أن يعلم بفداحتها، فعلى
الحكومة أن تتجه بقوة نحو الوضع الداخلي.
وعلى الصعيد الخارجي عليها أن ترفض كل محاولات القضاء على الانتفاضة والخروج
باتفاقيات وتفاهمات جديدة -مثل تفاهمات جنيف- تنتقص من الحق الفلسطيني، فلا
ينبغي أن تبقى مكتوفة أمام هذه المحاولات الهادفة إلى إجهاض الانتفاضة.
أما الأولويات من وجهة نظر السلطة وما أراه واقعاً فهو حالة من التخبط؛ فمرة
نسمع عن الهدنة، ومرة عن الانسحابات ومرة عن الانتخابات، فلا أرى تحديداً
دقيقاً للأولويات وما تريده الحكومة الفلسطينية.
* تناقلت الصحف مؤخراً الحديث عن نية شارون وحكومته
((دعم حكومة قريع ومساعدتها ومنحها فرصة))، ما المقصود بذلك؟
• ربما يتحدثون عن فرصة كي يروا ما الذي سيفعله أبو علاء بالمقاومة، أما الحديث
عن تسهيلات فهو غير حقيقي، حيث أن هناك حواجز واجتياحات تحول حياة الفلسطينيين
لجحيم، فالاحتلال لم يغير شيئاً على أرض الواقع والاعتقالات والاغتيالات
مستمرة، وما تريده حكومة شارون هو أن تعطي الانطباع الخاطئ للعالم أنها ربما
تقترب من تسوية مع الحكومة الفلسطينية لكنها تفعل خلاف ما تقوله.
* جاء في برنامج الحكومة الحالية أنها ستسعى لاستمرار
الحوار مع الفصائل، ما هي مقومات نجاح مثل هذا الحوار؟
• الحوار قائم، ولكن آمل ألا يرتكز سواء من قبل الحكومة أو الفصائل على إنجاز
هدنة أحادية الجانب وتمنح هدية أخرى للحكومة الإسرائيلية كي تستفرد بالمقاومة،
وهذا ليس ما ينتظره المواطن الفلسطيني، بل ينتظر من الحكومة كيفية مواجهة ما
يتعرض له من مشاريع احتلالية ومشاريع تصفية للقضية، فعلى كل الفصائل دون
استثناء أن تعمل جاهدة على عدم الرضوخ والوقوع في شرك الاحتلال وهدنة أحادية
الجانب، وأن تعمل على دراسة إمكانية مواجهة مختلف التحديات بما فيها الهجمة
الشارونية من خلال بناء جدار العزل العنصري، فلا يعقل أن نمنح شارون الهدنة
ويستمر في تقطيع أوصال المدن الفلسطينية.
* ما هو مستقبل السلطة؟
• المؤشرات تشير باتجاه استمرارها رغم ضرب كل البنى التحتية والأمنية لها،
السؤال الأهم هو هل السلطة ستستمر قوية أم ضعيفة؟ فإذا استمرت كما هي عليه تكون
قد فقدت جزءاً من مقومات قوتها، وهي في حالة ضعف من الضروري بمكان ألا يرافق
هذا الضعف ضعف معنوي وأن تعمل السلطة على توثيق العلاقة مع المواطن الفلسطيني
حتى لا تتسع الهوة.
* كيف تصف مستقبل الشعب الفلسطيني؟
• هذا شعب عظيم بكل ما في الكلمة من معنى، يتعرض للتضييق ويعاني فقدان الأحبة
ومع ذلك يصر على الحياة وبقوة كبيرة، وهو ليس من النوع الذي يتعرض لليأس بأي
حال من الأحوال، وهو يعاني أكثر مما عاناه أي شعب آخر.
ويتضح يوماً بعد يوم أن إرادة هذا الشعب أكبر من كل محاولات إحباطه، ومحاولات
الإجهاز عليه وتركيعه من خلال استخدام الدبابات والحصار، وهذا ما صرح به مسؤولو
المخابرات الإسرائيلية أنفسهم .
|