|
دلائل الانتخابات المحلية في
الكيان الصهيوني:
الطبقات الفقيرة تعبر عن خيبة أملها من برنامج حكومة شارون
فلسطين/إبراهيم السعيد
دلت نتائج الانتخابات المحلية التي أجريت في (إسرائيل) مؤخراً على أن تراجعاً
واضحاً طرأ على عدد المجالس المحلية التي يسيطر عليها حزب الليكود الحاكم، كما
حدث تراجع أيضاً على عدد المجالس التي يسيطر عليها حزب العمل وإن كان بشكل أقل
مما حدث لليكود. في نفس الوقت فقد دلت النتائج على أن المستقلين الذين خاضوا
هذه الانتخابات حصدوا نتائج مفاجئة واستطاعوا إلحاق الهزيمة بمرشحي الحزبين
الكبيرين في مراكز نفوذهما التقليدية. ويجب أن ننوه إلى أن خسارة حزب الليكود
لا تعني فوز منافسيه، بالذات حزب العمل، فجميع المجالس التي فقدها الليكود
انتقلت لمستقلين، وإن كان بعضهم من المعروفين كمؤيدين لليمين وطروحاته السياسية.
فيما يتعلق بالمدن الكبرى في الدولة العبرية ظل الحزبان الكبيران يحافظان على
السيطرة على معظم هذه المدن. فمثلاً ظل حزب العمل مسيطراً على مدينة تل ابيب،
كبرى المدن الإسرائيلية ومدن بئر السبع، وريشون ليتسيون، كفار سابا وجفعتايم.
في حين ظل الليكود مسيطراً على مدن أسدود وعسقلان والرملة واللد ونتانيا
ورعنانا وبيسان.
وهنا تتوجب الإشارة إلى أن كلاً من الحزبين فقدا السيطرة على مدينة كبرى في
انتخابات سابقة أجريت خلال العام، فقبل أربعة أشهر فقدَ حزب العمل السيطرة على
مدينة حيفا التي أصبح رئيس بلديتها من المحسوبين على حزب ((شينوي))، في حين خسر
الليكود السيطرة على مدينة القدس المحتلة، التي انتقلت السيطرة فيها إلى ممثلي
حزب ((يجودات يسرائيل)) الديني الحريدي الأشكنازي. الضربة التي تلقاها الليكود
كانت كبيرة في الجنوب، حيث خسر تقريباً جميع المدن التي كان يسيطر عليها مثل:
نتيفوت واوفكيم وعراد وديمونا وغيرها مما يطلق عليه في (إسرائيل) بـ((مدن
التطوير))، وهي المدن التي تسكنها عادة الطبقات الفقيرة من الذين هاجروا بشكل
خاص من الدول العربية ومن إثيوبيا وروسيا.
دلالات النتائج
قراءة متأنية يمكن أن تقود إلى تفسير هذه النتائج. فمن ناحية ظاهرية تبدو
الانتخابات المحلية وكأنها قد جرت على أساس شخصي وليس على أساس سياسي، بحيث إن
شخصية المرشحين وتاريخهم هي التي أقنعت السكان بالتصويت لهذا المرشح أو ذاك،
والذين يتشبثون بهذا التفسير يشيرون إلى أنه في بعض الحالات أطاح الناخبون
بمرشح حزب الليكود، لكنهم اختاروا مرشحاً مستقلاً معروفاً بتأييده لأفكار
الليكود، وهذا حدث في أكثر من مدينة. لذا فإن بعض المراقبين يرى أنه لا يتوجب
الخلوص إلى استنتاجات بعيدة المدى استناداً إلى هذه النتائج، بحيث يمكن على
أساسها القول أن هذه الانتخابات تدل على أن تراجعاً في شعبية الليكود قد حدث.
لكن في المقابل فإن الأحزاب وخاصة الليكود أرادت أن تكون هذه الانتخابات على
أساس حزبي أيديولوجي، وأهم مؤشر على ذلك كانت الزيارات الماراثونية التي قام
بها رئيس الوزارء الإسرائيلي أرييل شارون، زعيم الليكود للمدن في طول فلسطين
المحتلة وعرضها مطالباً بأن يتم التصويت لمرشحي الليكود، ولم يتردد في كثير من
الأحيان في عرض ما يمكن أن يوصف بإغراءات للسكان في حال صوتوا لصالح مرشحي حزبه.
في حين ذهب نائبه إيهود أولمرت بعيداً، عندما هدد بأن المدن التي يسيطر عليها
ممثلو الليكود سيتم التعامل مع مشاكلها باهتمام خاص في وزارات الحكومة.
ومن هنا فقد أرادت قيادة الليكود أن تتم الانتخابات على أساس حزبي محض، معتقدة
أن حقيقة أن حزب الليكود الآن هو أكبر حزب في الدولة العبرية، بحيث إن ما له في
البرلمان من نواب يعادل أكبر من ضعف ما لدى حزب العمل من نواب، هذه الحقيقة يجب
أن تترجم أيضاً في نتائج الانتخابات المحلية، سيما وأنه من الدارج في العرف
السياسي الداخلي للأحزاب الإسرائيلية أن ترى في نتائج الانتخابات المحلية مؤشراً
على قوتها في الشارع الإسرائيلي، من هنا جاء اهتمام الليكود خاصاً بهذه
الانتخابات، لذا فإن إخفاق قيادة الليكود ممثلة بشخص شارون في إقناع الناخبين
بالتصويت لمرشحي الليكود لها دلالات أكبر من أن تحصر في المزايا الشخصية
للمرشحين، وحتى في الليكود نظروا إلى هذا الإخفاق على أساس أنه إخفاق لقيادة
الحزب الذي يقود الدولة والذي حقق نتائج غير مسبوقة على الصعيد القُطري قبل أقل
من عام في الانتخابات العامة.
خسارة الليكود لمدن التطوير
تعتبر مدن التطوير هي المعقل الرئيسي لمصوتي حزب الليكود تقليدياً، ففي هذه
المدن التي أقامتها القيادة الأشكنازية الغربية للدولة أواسط الخمسينات في
أطراف فلسطين المحتلة المغتصبة الشمالية والجنوبية ليتم الزج فيها باليهود
القادمين من الدول العربية، ولكي يتم التأسيس لوسطين اجتماعين مختلفين في
الدولة العبرية؛ الوسط المجتمعي في المدن الكبرى التي يقطنها المنحدرين من أصول
غربية أشكنازية والذين يتبوأون المناصب العليا في مؤسسات الدولة والجيش والقطاع
العام، وهم مستقرون مادياً، والوسط المجتمعي في مدن التطوير، حيث الفقر ومعدلات
البطالة العالية، وتنتشر الجريمة بسبب الوضع الاقتصادي السيئ في هذه المدن.
سكان مدن التطوير كانوا هم بشكل أساسي المسؤولين عن الدفع نحو الانقلاب السياسي
الكبير في (إسرائيل) في العام 1977، عندما فاز الليكود لأول مرة بالانتخابات
العامة، وقد ظل سكان مدن التطوير حتى الانتخابات العامة الأخيرة يصوتون لليكود
بشكل تقليدي وثابت، وحتى على مستوى الانتخابات المحلية ظل ممثلو الليكود
يسيطرون على المجالس المحلية في هذه المدن باطراد.
التغير الذي دلت عليه نتائج هذه الانتخابات يفسره بعض المراقبين بأنه تعبير عن
خيبة أمل من برامج حكومة شارون على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي. فحكومة شارون
وبدلاً من أن تعترف لسكان هذه المدن بالجميل وتعمل على معالجة مشاكلهم، فإذا
بها تضيف مزيداً من الأعباء الاقتصادية عليهم. ولعل خطة الموازنة العامة للعام
المقبل الذي قدّمه وزير المالية بنيامين نتنياهو قد أثارت استياء منتسبي
الطبقات الفقيرة في الدولة العبرية وعلى رأسهم سكان مدن التطوير، لما تتضمنه من
مساس كبير بوضعهم الاقتصادي والاجتماعي وجعله أكثر تدهوراً، حيث إن نتنياهو عمل
على المس بمخصصات البطالة التي يستفيد منها سكان هذه المدن، فضلاً عن المساس
بشكل كبير بمخصصات الأولاد ومخصصات الأسر كثيرة الأولاد، حيث إن نتنياهو عازم
على تقليص مخصصات الضمان الاجتماعي بشكل عام التي يستفيد منها سكان هذه المدن.
من هنا فانه لا يمكن النظر إلى التصويت ضد مرشحي الليكود الرسميين على اعتبار
أنه تصويت على أساس شخصي فقط، بل يدل أيضاً على أنه تصويت ضد الخطة الاقتصادية
الاجتماعية لحكومة شارون.
صحيح أنه لا يمكن وضع تفسيرات أيديولوجية لنتائج الانتخابات المحلية، على
اعتبار أن سكان مدن التطوير والأحياء الشعبية في الدولة العبرية معروفون
بتوجهاتهم اليمينية التقليدية، لكن في المقابل فإن هذا التطرف لا يعني تردد هذه
الأوساط في الاعتراض على سياسات حكومات الليكود في المجال الاقتصادي الاجتماعي،
وهو المجال الذي يعني سكان هذه المدن أكثر من أي مجال آخر. فسكان هذه المدن لا
يمكنهم المرور مرور الكرام على المعطيات السوداوية التي يكشف عنها كل يوم، مثل
حقيقة أن عدد الأسر الفقيرة تضاعف خلال الثلاثة عشر عاماً الماضية ثلاثة أضعاف
ليصل إلى ثلاثمائة وخمسة عشر ألف عائلة، في حين أن الحكومة ترد على هذه
المعطيات بالقيام بخطوات أكثر شدة ضد الطبقات الفقيرة.
اعتراض على التمييز
النشطاء السياسيون في مدن التطوير والأحياء العامة الفقيرة في المدن الكبرى
يأخذون على حكومات اليمين بشكل خاص حرصها على التمييز لصالح المجالس المحلية في
المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تحصل المستوطنات اليهودية
هناك على موازنات كبيرة جداً مقارنة بعدد سكانها القليل نسبياً (200 الف مستوطن).
وقد دلت دراسة إسرائيلية أجريت العام الماضي على أن معدل ما يحصل عليه المستوطن
اليهودي في الضفة الغربية وقطاع غزة من أموال الدولة يعادل عشرة أضعاف ما يحصل
عليه اليهودي الذي يسكن داخل (إسرائيل). هذا التمييز أدى إلى كثير من الجدل
داخل الأوساط المثقفة في مدن التطوير، وهناك صدرت الكثير من الدعوات لوقف سياسة
التمييز هذه، ولا شك أن هذه الدعوات لها دلائل سياسية وقد تتطور إلى دلالات
أيديولوجية في حال ظلت هذه السياسة متبعة، مع أن حكومة شارون لا تبدي استعداداً
لتغييرها.
خلاصة
على الرغم من كل ما تقدم فإنه يتوجب الحذر من الاستنتاج أن انخفاضاً كبيراً على
شعبية الليكود قد حصل استناداً إلى هذه النتائج، لكن مما لا شك فيه أن هذه
النتائج تؤكد أن تآكلاً يمكن أن يحدث في التفاف الفئات المعروفة بتصويتها
لليمين والليكود تحديداً، وأن يتعمق هذا التآكل في حال وجدت معارضة قوية
متماسكة متراصة. المراقبون في الدولة العبرية يرون أن هناك مؤشرات أولية على
صحوة حقيقية للمعارضة الإسرائيلية التي أخذت تستغل مؤشرات الإخفاق الشامل
لحكومة شارون في كل المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
|