|
من رحم لقاءات ((الظلام)) غير الشرعية بكافة المقاييس والمعايير، أنتجت
المجموعة ((المتصهينة)) من بني جلدتنا سياسة جديدة تضاف إلى العديد من الوثائق
التي تم إنتاجها وتحوّل بعضها إلى اتفاقات رسمية تم التوقيع عليها، بدءاً من
اتفاق أوسلو ومروراً باتفاق طابا، وانتهاء باتفاق ((جنيف)) الأخير، الذي وإن لم
يتم التوقيع عليه من قِبل أطراف رسمية من الجانبين الفلسطيني والصهيوني، ولكنه
لا يخفى على العارفين بشؤون السياسة، أن هناك ضوءاً أخضر وغطاء سياسياً تم
توفيره من قِبل السلطة الفلسطينية ورئيسها للمجموعة التي تولّت نسج هذا
الاتفاق، كما أن العرّاب الذي قاد اللقاءات السرية والعلنية هو أحد الرموز
الفلسطينية التي تورّطت في الانخراط في نسج اتفاق أوسلو المشؤوم.
لقد كان يُفترض بالسلطة الفلسطينية بعد مرور عشرة أعوام على اتفاق أوسلو أن
تعيد النظر بنهجها السياسي مستخلصة العِبر والدروس، ولكن السلطة سارت باتجاه
معاكس لمنطق الأشياء، حيث سارت في طريق تقديم المزيد من التنازلات، وهو النهج
الذي استمرأته في كل اتفاق سياسي جديد، حيث يكون سقف كل اتفاق أقلّ من سابقه،
حتى وصلنا إلى اتفاق ((جنيف))، الذي يفرّط بقضايا أساسية تشكّل جوهر القضية
الفلسطينية. أوّلها، قضية حق العودة الذي يمكن القول إنه شُطب من الناحية
العملية بغض النظر عن الصيغ والخيارات المطروحة، التي قيّدت هذا الحق المجمع
عليه حتى ضمن القانون الدولي، بالموافقة الصهيونية، التي يكاد يكون هناك إجماع
في المجتمع الصهيوني على رفضه رفضاً قاطعاً. وثانيها، تحويل الدولة الفلسطينية
((الموعودة)) إلى مجرّد محمية منزوعة السلاح، مفتوحة فضاءاتها ومياهها وحدودها
لجيش الاحتلال الصهيوني الغاشم ينتهكها متى رغب ومتى شاء تحت عناوين تحقيق
((الأمن)) وملاحقة ((الإرهاب))، وهو ما يعني عملياً إنتاج دولة ((مشوّهة))،
منقوصة السيادة، مقطّعة الأوصال بالجدران الفاصلة، والمستوطنات، وعلى مساحة لا
تزيد في أحسن أحوالها عن 15% بعد احتساب كافة الاقتطاعات طبعاً! أما ثالثة
الأثافي في هذا الاتفاق، فهو التنازل عن القدس –عملياً- كعاصمة للدولة
الفلسطينية ((الموعودة)).
إن المتمعّن والمتأمّل في نصوص اتفاق ((جنيف)) يمكن أن يصل إلى نتيجة مفادها،
أن التضحيات العظيمة التي قدّمها الشعب الفلسطيني، يراد لها من قِبل مجموعة
معزولة عن ضمير الشعب والأمّة، أن تذهب هباء منثوراً، وهو ما لا يمكن لأي
فلسطيني أو عربي أو مسلم أن يقبله بحال من الأحوال.
إنه ليس حدثاً عابراً أن يتم اختيار سويسرا مكاناً للتوقيع على هذا الاتفاق
((الاستسلامي))، لقد استضاف هذا البلد الأوروبي قبل مائة عام ونيّف المؤتمر
الأول للحركة الصهيونية العالمية، الذي أطلقت فيه مشروعها الصهيوني باحتلال أرض
فلسطين، وتشريد شعبها، وإقامة دولة صهيونية تحمل اسم (إسرائيل) على أنقاض أرض
مباركة وشعب عظيم.
لقد أراد الصهاينة الأحفاد لهرتزل وجوبتنسكي أن يواصلوا دور الأجداد في حمل
أمانة المشروع الصهيوني العنصري والحفاظ عليه، خصوصاً بعد الاهتزاز الذي تعرّض
له هذا المشروع على يد أبطال انتفاضة الأقصى المباركة، مستغلين حالة الضعف
والهوان التي تعيشها سلطة منهارة ومهزومة، أرادت أن تحافظ على امتيازاتها
وألقابها، مقابل بيع قضية مقدّسة مباركة، لا يمكن لأي فلسطيني أو عربي أو مسلم
أن يفرّط فيها.
ستبوء اتفاقية ((جنيف)) بالفشل الذريع بإذن الله، وسيبوء موقّعوها بالخسران
المبين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
التحرير
|