فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

FM-M Aug 2003
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
أخبار وتقارير4
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
شؤون فلسطينية5
شؤون العدو
تحقيق
الغلاف
رأي
شؤون عربية1
شؤون عربية2
شؤون دولية1
شؤون دولية2
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
حصاد الأيام
قضايا
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

المرأه الفلسطينية شريكة في المقاومة والشهادة


الخليل/سميرة الحلايقة
شاركت المرأة الفلسطينية في كلّ مراحل الجهاد والنضال في فلسطين، صمدت في وجه الاحتلال وتحدّت إجراءاته وقدّمت كافّة أشكال الدعم للمقاومين ونفّذت العمليات بمختلف أنواعها.
في الوقت نفسه، كانت المرأة الفلسطينية ضحيّة لسياسة الإرهاب والقتل التي يمارسها الصهاينة. وفي هذا التحقيق نموذج عن تضحية المرأة الفلسطينية التي سارت على درب الشهادة.
توضأت الممرضة فدوى الجمال قبل آذان الفجر ثم انتعلت حذاء ابن شقيقتها مجد وقالت له "سامحني إن حصل لي شيء". المكان مخيّم جنين في اجتياحه الدامي والزمان فجر الأربعاء 3/4/2002. فدوى فتاة تبلغ من العمر 28 عاماً وتعمل في سلك التمريض وهي من مواليد مخيّم نور شمس، وقد حملها عبق الشهادة من طولكرم إلى مخيّم جنين حيث تسكن شقيقتها رفيدة جمال الدمج، وهي شقيقة الشهيد (شوقي) الجمال الذي سقط في عام 1994 في الاجتياح الصهيوني للمخيّم. لم تكن فدوى لتدفن رأسها وإخوتها داخل المخيّم يعانون من القتل والفزع والدمار، فقد دفعتها شهامتها ونخوتها لأن تخرج في ساعات الفجر لتقدّم الإسعاف لأبناء المخيّم، وما إن تجاوزت باب المنزل مع شقيقتها رفيدة، حتى انهمر الرصاص نحوهن من كل جانب، في البداية أصيبت رفيدة برصاصة في الفخذ وأخذت تصيح على شقيقتها فدوى كي تقدّم لها الإسعاف، فما كان منها إلا أن ركضت إلى الرصيف المقابل حيث كانت شقيقتها فعاجلتها رصاصات من قناص صهيوني كان يتربص على سطح مسجد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في المخيّم، وقد استقرت الرصاصات في الخاصرة والقلب والبطن فعانقت شقيقتها رفيدة التي كانت تعاني من نزيف حادّ، ثم نطقت بالشهادتين وأسلمت الروح، أما رفيدة فقد طلبت من زوجها أن يسحبهما، وعندما قام بسحب الشهيدة ألقوا عليه قنبلة يدوية نجا منها بأعجوبة، وبعد نصف ساعة حضرت سيارة الإسعاف لتنقل فدوى إلى ثلاجة الموتى، وتنقل رفيدة إلى المستشفى حيث أصيبت في ساقيها بإعاقة دائمة.
قذائف داخل المنازل
ويستمرّ العطاء حيث تكتمل فصول مأساة أخرى في مخيّم عايدة القريب من مدينة بيت لحم ليمتدّ المداد الدموي على مهل فيرسم حدود الوطن. ففي 8/3/2002 كانت المواطنة هدى محمود محمد دار خواجة (34 عاماً) جالسة في منزلها، وكانت تعمل في إحدى مدارس الأونروا في المخيّم، توضأت الشهيدة بحسب شهادة زوجها وكان يوم الجمعة، وكانت تهتم بشؤون أطفالها صمود وخليل ووعود وأمجاد وأفنان، ولكن جنود الاحتلال يصرّون دوماً على اقتناص الأمان من عيون الأبرياء فقاموا بإطلاق قذيفة على باب المنزل الخارجي حيث كانت الشهيدة تقف في مكان قريب منه وقد دخلت شظايا القذيفة لمسافة ستة أمتار داخل المنزل، أم خليل صرخت بأعلى صوتها "يا الله"..، إصابة غائرة في اليد اليمنى وشظيّة تدخل من جانبها الأيمن لتخرج من الجانب الأيسر، وقد بقيت الشهيدة تنزف أمام منزلها وجنود الاحتلال ينظرون، ثم منعوا سيارة الإسعاف من نقلها إلى المستشفى، وفي الساعة الحادية عشرة والنصف جاءت سيارة الإسعاف وقبل أن تنطلق إلى المستشفى كانت الشهيدة قد أسلمت الروح.
بقروا بطنها وقتلوا جنينها
ارتحلت نهى سويدان أم الأطفال التسعة الذين لم يصدّقوا حتى الآن أنهم أيتام. فقد هزّ كيانها أن يدخل الطغاة إلى مخيّمها.. مخيّم البريج في قطاع غزّة، وكان ذنبها أن منزلها كان ملاصقاً لمنزل أحد الشهداء وهو سامي عبد السلام الذي نفّذ عملية استشهادية بتاريخ 9/3/2003 على حاجز المطاحن شمال مدينة خان يونس، جاءت القوة الصهيونية وزرعت محيط المنزل بالمتفجرات بدون إنذار مسبق وقبل ذلك بلحظات، قامت الشهيدة نهى بتحذير أبنائها وزوجها كي يدخلوا غرفة آمنة، وبحسب شهادة زوجها شكري المقادمة، فقد فجّرت القوّة الصهيونية المنزل المجاور له مما أدى إلى تدمير منزل المقادمة مع ستّة منازل أخرى في المنطقة نفسها، وحتى تكتمل فصول المأساة فإن الغرفة المسقوفة بالاسبست هي التي انهارت بالدرجة الأولى على الشهيدة وأبنائها وزوجها، وقد أصيبت الشهيدة بجراح بالغة الخطورة وبقيت الزوجة الحامل في شهرها التاسع تنزف تحت الأنقاض دون أن تتمكّن سيارات الإسعاف والدفاع المدني من الوصول إلى المنطقة بسبب كثافة النيران، وقد عثر عليها وقد فارقت الحياة بعد انسحاب الجيش الصهيوني، ثمّ حملها المواطنون على أكفّهم وساروا بها في طرقات المخيّم.
ثمّة صورة أخرى تقشعرّ لها الأبدان، فقد وجدت طفلتها الصغيرة (منى) وقد انكفأت عليها الشهيدة حتى تحافظ على حياتها، وتبقى الأم الفلسطينية في قمّة عطائها حتى في آخر أنفاسها، وأصيب زوجها شكري المقادمة بجروح وكسر في الرقبة كما أصيب ثلاثة من أبنائها بجروح بين متوسطة وطفيفة.
أوصيكم بالأولاد
ثمّة تراجيديا أخرى سطّرت بحقّ المواطنة رسميّة جودة الجبارين (35 عاماً) من بلدة الظاهرية 11 كلم غرب مدينة الخليل.
رسميّة امرأة مطلّقة ولديها طفلان صغيران، وبحكم ظروفها القاسية خرجت للعمل في منطقة بئر السبع، حيث وجدت عملاً في محلّ لبيع الدجاج لتحصيل رزقها ورزق الأطفال. وبتاريخ 11/7/2001 توجّهت رسميّة إلى مكان عملها مع مجموعة من النساء، وعندما وصلت إلى طريق اللقية في مدينة بئر السبع، أطلق شرطي صهيوني النار باتجاه السيارة، رصاصة حاقدة اخترقت ظهر الشهيدة ثم خرجت من صدرها، وبحسب روايات زميلاتها في العمل، فقد وضعت رأسها على صدر إحداهن وقالت "ديروا بالكم على أولادي".
وباستشهاد رسميّة أصبح نضال وخليل أبناء الشهيدة بدون معيل.
جثّتان بين الأطفال
إلى مدينة بيت لحم رحلنا لنشتمّ رائحة الدم والبارود وقصص الحزانى، يجترها أبناء وبنات وأطفال صغار عاشوا مع جثّة جدّتهم وعمّهم لعدّة أيام.
قامت القوات الصهيونية فجر يوم 2/4/2002 باجتياح مدينة بيت لحم، وكانت السيدة سميّة عابدة وهي أم لثلاثة أبناء سامي وأحمد وخالد، وابنتين هما سميرة وإيمان، قد جلست داخل منزلها تسبّح وتذكر الله، حيث كانت حديثة العهد بزيارة مقام رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في بيت الله الحرام في مكّة، وأدت فريضة الحج مع ابنها الشهيد خالد، وما هي إلا لحظات، حتى جاء جنود الاحتلال وأطلقوا قذيفة دبابة باتجاه باب المنزل الذي كانت تجلس فيه مع ابنها، وبحسب رواية ابنها محمد عابدة، فقد قتلت القذيفة الحاجة سميّة عابدة وابنها خالد، وبقيت الجثتان في المنزل لمدّة ثلاثة أيّام، ومعها كانت تعيش أسرة الابن محمد. خالد ظلّ جالساً في مقعده بعد استشهاده، وأمّه ظلّت ملقاة على الأرض والعائلة من حولها تندب.
رصاص 500 للقنص
المواطنة مريم سليمان صلاح (36 عاماً) خرجت من منزلها من بلدة الخضر بعد أن صلّت العصر، وأوصت ابنتها نسرين أن ترعى إخوتها الصغار، وكانت تنوي زيارة أبيها المسنّ المريض، وما كادت تصل الى أحد الشوارع الرئيسية في بلدة الخضر، حتى فاجأتها مجنزرات الاحتلال، وقامت بقصف المنطقة التي تواجدت فيها، وأطلقت رصاصات من عيار (500) اخترقت خاصرتها وخرجت من الجانب الآخر محدثة فتحة بقُطر 10 سم مع نزيف حاد، وتستشهد مريم مخلّفة وراءها نعيم (19 عاماً) وهو معتقل في سجون الاحتلال ونسرين ونفين ونبيل وأحمد.
وكذلك الحال بالنسبة للمواطنة رانية خاروفة (34 عاماً) من مدينة بيت جالا التي تركت طفلتها رونزه (4 سنوات) ورمزي (3 سنوات) يبحثان بين الوجوه عن أم خرجت للسوق ولم تعد إلا جثّة هامدة، وبحسب رواية زوجها أبو رمزي فقد اتصلت به هاتفياً وقالت له سوف آتي إليك، وكان هو في زيارة أهلها.
في يوم السبت، وفي ساعات الظهر، خرجت رانية إلى السوق مع سائق يدعى جورج عمرو، ووصلوا إلى الغرب من ملعب السهل، حيث دارت اشتباكات عنيفة بين رجال المقاومة الفلسطينية وجنود الاحتلال، فأصيبت الشهيدة برصاصة في يدها اليمنى، فأُدخلت إلى إحدى المحلات التجارية وأجريت لها إسعافات أولية، وأثناء ذلك اشتدّت عمليات إطلاق النار، فأصيبت الشهيدة برصاصة في الرقبة وأخرى في الكتف من عيار (500)، مما أدّى إلى استشهادها على الفور.
ضحايا اغتيال
لم تكن السيدة الشهيدة ليلى خميس صفيرة زوجة الشهيد صلاح شحادة وابنته إيمان هما الضحية الأولى لصواريخ الأباتشي الصهيونية، بل سبقتهما إلى ذلك زوجة المعتقل الشيخ حسين أبو كويك وابنته وشقيقة زوجته اللواتي قضين بصواريخ الأباتشي في مدينة رام الله، حيث تمّ اغتيالهن أثناء عودتهن إلى المنزل، وتطايرت الجثث مع الحقائب المدرسية، واختلطت الدماء مع الآمال، وقد ادّعت سلطات الاحتلال أنها استهدفت الناشط في حماس حسين أبو كويك. بشرى أبو كويك راحت ضحيّة الصاروخ الصهيوني، وارتقت إلى العلى مع ستّة فلسطينيين بينهم ابنها محمد (10 سنوات) وابنتيها عزيزة وبراءة، وكذلك كان الحال مع المواطنة رويدة الهجين ومعها أشرف عثمان الهجين (22 عاماً) ونهاد عثمان الهجين (19 عاماً) وسمير الهجين (23 عاماً)، عندما كانوا نائمين في مزرعتهم في حي الشيخ رضوان في قطاع غزّة، وقد ادّعت سلطات الاحتلال أنهم لاحظوا حركات مشبوهة بالقرب من مكان تواجد الشهداء.

 

يوميات معتقلة فلسطينية في سجون الاحتلال:
أخذوني في الليل من بين أولادي
ووضعوني في زنزانة قذرة


تقول المعتقلة الفلسطينية فداء الرمحي "يوم اعتُقلتُ، كان البرد شديداً والسماء ملبدة بالغيوم، سرت إلى بيتي مسرعة لأصل قبل ابنتي وولدي من مدارسهم، ولأهيّئ لهم جواً دافئاً يقيهم برد الخارج، بدأت بإعداد الطعام لزوجي وأبنائي. كنا نتسامر أنا وزوجي لنقضي ذلك النهار الثقيل الذي كان يمرّ ببطء، وفي المساء بدأت العاصفة التي سمعت عنها في نشرات الأخبار بالوصول إلى مدينة البيرة حيث أسكن، الأمطار غزيرة والرياح عاصفة، في السابعة مساء يوم 18-2-2003 غادرَنا زوجي متوجهاً إلى عمله فهو يعمل في الليل ونظراً للبرودة الشديدة قرّرت وأطفالي الصغار الخلود إلى أسرّتنا للاحتماء منها".
في الطريق إلى معتقل بيت إيل
منذ بزوغ صباح ذلك اليوم تقول الأسيرة المحرّرة أم يحيى ابنة مدينة البيرة "راودني إحساس بأن شيئاً ما سيقع ولكني لم أعلم ما هو"، وبينما كنا نخلد للنوم، كانت الساعة تقارب العاشرة مساء وإذا بهذا الشيء يقع، فقد أفقت وصغاري على صوت ضجيج كبير يتصاعد عند الباب، إنها قوات كبيرة من جيش الاحتلال تحاصر المنطقة وتحاول اقتحام المنزل، لم أفهم ماذا حدث ولكني سريعاً نهضت ولم يمهلني جنود الاحتلال لأفتح لهم الباب دخلوا بواسطة الخلع.
تنهّدت الأسيرة المحرّرة أم يحيى وأكملت "ظننتهم قادمين لاعتقال مطلوب كبير متحصّن في البناية التي أسكن فيها نظراً لكثرة القوات التي دخلت المنزل، لكنهم سرعان ما طلبوا بطاقتي الشخصية فأحضرتها لهم، وقاموا بالتدقيق فيها وطلبوا تفتيش المنزل ولم يسمحوا لي بإيقاظ أبنائي من النوم فرفضت الاستجابة لهم وركضت مسرعة نحو غرفتهم.
بعد أن قاموا بالعبث بكامل محتويات المنزل أخبرني قائد الوحدة أنهم ينوون اعتقالي وأنني مطلوبة لقوات الاحتلال، وفوراً قام جنديان صهيونيان باقتيادي إلى الخارج وزجّي في شاحنة كبيرة، وفي تلك اللحظة قام الجنود بعصب عينيّ وتكبيل يديّ، ولم يكن معهم حتى مجنّدة واحدة تقوم بمساعدتي.
جلست على أحد المقاعد المعدّة لجلوس الجنود في الشاحنة وسارت قرابة الساعتين ولم أدر أين كنا نتجّه، وفي تلك الأثناء بدأ جنود الشاحنة بإهانتي، فراح أحدهم يضع مقدّمة سلاحه الآلي على رأسي ويهدّدني بالقتل، فيما راح آخرون يوجّهون لي الشتائم الواحدة تلو الأخرى وكانت قاسية وبذيئة ومذلّة.
فجأة توقّفت الشاحنة ونزلت في مكان لا أعلم أين هو. توقّعت أنه "معتقل عوفر" الواقع إلى الغرب من رام الله، سرت لمسافة قصيرة لم تتجاوز عدّة أمتار، وعندها قام أحدهم بفك الرباط الموضوع حول عيني، وبعدها قاموا بإدخالي إلى غرفة أخرى وقاموا بتصويري ثماني صور شخصية.
بعد قرابة ربع ساعة عاد الجنود لتكبيلي من جديد ولكن هذه المرة بطريقة أعنف، فقد كبّلوني بالسلاسل والأغلال في قدمي ورجلي وقاموا بعصب عيني. وُضعت في سيارة عسكرية كان فيها عدد من المجندات. سارت السيارة مسافة طويلة تجاوزت الساعتين، بعدها نزلت معسكر آخر لم أعلم أين هو. فقال لي أحد المعتقلين الذي كان يطلّ برأسه من أحد الزنازين وكانت الساعة قاربت الثالثة صباحاً "ما تخافي يا أختي أنتِ في مركز توقيف بيت إيل" عندها استغربت أين كانت السيارة تسير كل هذه المسافة، بقيت هناك قرابة ثماني ساعات في زنزانة انفرادية كانت قذرة للغاية، لم أكن أرى أحداً فيها أو أسمع أحداً، غير ضجيج الأبواب التي تغلق وتفتح وصوت المراوح التي تضخ الهواء.
في الزنزانة الحمراء
في اليوم التالي حضر جنود السجن وأخبروني أنهم ينوون ترحيلي من جديد إلى معسكر آخر وأنه عليّ الاستعداد، وقاموا بتكبيلي من جديد وعصب عينيّ، ووضعوني هذه المرّة في سيارة نقل "البوسطة" وهي السيارة المخصّصة لنقل المعتقلين الفلسطينيين، بعد قرابة نصف ساعة أو يزيد توقّفت السيارة وأنزلوني منها، نظرت حولي من تحت العصبة التي وضعت على عيني، تخيّلت نفسي في مدينة القدس وتحديداً في مركز التحقيق في المسكوبية، لأدخل بعدها ويقوموا بتصويري ثماني صور أخرى.
وقد تأكّد إحساسي حيث أخبرني أحد الجنود أنني موجودة في زنازين المسكوبية، وأنني أُحضرت إلى هنا للتحقيق معي. نُقلت إلى غرفة صغيرة لا يتجاوز طولها متراً ونصف المتر وعرضها متر واحد، كانت مضاءة بضوء أحمر خافت يعكس الظلمة والقلق، جدرانها مصنوعة من الإسمنت الخشن الذي لا يمكّن الأسير المتواجد بداخلها من الانحناء أو الارتكاز إلى هذا الجدار، بقيت فيها عدّة ساعات ليعود أحدهم إلى زنزانتي ويخرجني منها ويطلب مني وضع نظارات سوداء، كي لا أرى الممرات المؤدّية إلى الزنازين.
وهناك بدأ الضباط بإحضاري من الزنازين إلى غرف التحقيق، وكان التحقيق بشكل عام ولم توجّه لي أيّة تهمة محدّدة، كانوا يسألوني عن أشخاص من مدينتي رام الله والبيرة معروفين للعيان ومطلوبين أو معتقلين سابقين، وكان التحقيق يتم معي من الساعة العاشرة صباحاً حتى الساعة السادسة مساء.
بقيت على هذه الحالة قرابة الأسبوعين وأنا أتنقّل بين غرف التحقيق وغرف الزنازين التي كان يسودها ضجيج كبير نتيجة إغلاق الأبواب الحديدية وفتحها بشكل مستمر، وحديث الجنود بصوت مرتفع، وصوت مروحة الهواء التي كانت تشكل لي إزعاجاً بشكل كبير ومستمر نظراً لدورانها. في تلك الزنزانة اللعينة كان يقوم الجنود بتفقدي بشكل مستمر عبر فتح الباب علي وأنا نائمة وإغلاقه بشكل مفاجئ، مما سبب لي حالة من الإزعاج الشديد كدت أنهار على إثرها.
النضال لاسترجاع الحقوق المهضومة
بعدما لم يجدوا أيّة تهمة يلصقونها بي، قام قاضي المحكمة العسكرية بالحكم عليّ بالسجن الإداري أربعة أشهر، وهناك وعند إصدار الحكم بقيت عدّة أيام في الزنازين، وطالبت بنقلي إلى سجن الرملة مع النساء الفلسطينيات المعتقلات ولكن دون جدوى.
قرّرت وعدد من الأسيرات اللواتي كنّ في سجن المسكوبية خوض إضراب عن الطعام لحين تجاوب إدارة معتقل المسكوبية بنقلنا إلى معتقل الرملة، التي رفضت نقلنا إليه بحجّة عدم وجود متّسع فيه.
أذعن الجنود لمطلبنا في النهاية بعد تسعة أيام من الإضراب عن الطعام، وقاموا بنقلي إلى سجن الرملة، وهناك لم يكن لي متّسع في الغرف نظراً لكثرة الأسيرات المتواجدات وقلّة عدد الغرف، فقام عدد من الأسيرات باستضافتي في قسم البنات "ب" وقد كنت الأسيرة السابعة إضافة إلى ستّ أسيرات في الغرفة، وقد شجّع دخولي الغرفة إدارة السجن الحاقدة على إحضار أسيرة ثامنة ووضعها في ذات الغرفة ذاتها، الأمر الذي شكّل ضغطاً كبيراً على الأسيرات في تلك الغرفة.
معاناة الأسيرات مستمرة
هناك في معتقل الرملة يوجد أكثر من 69 أسيرة فلسطينية، ستّ أسيرات دون الرابعة عشرة من العمر، و18 أسيرة متزوّجات ولهنّ أطفال بحاجة لرعايتهن، أما الأسيرات غير المتزوّجات فهن 32 أسيرة، من بينهن الأسيرة أحلام التميمي التي تقضي أعلى حكم بين الأسيرات: 15 مؤبداً و87 سنة، إضافة إلى أسيرة حامل وأخرى وَلّدَت في السجن وهي ميرفت طه.
وتعاني الأسيرات من سوء التغذية حيث إن إدارة المعتقلات الصهيونية لا تقدّم لهن وجبات كافية وغير صحية من الطعام، ولا يسمح لهن بأن يطهين طعامهن بأنفسهن كما كلّ الأسرى في معتقلات الاحتلال.
إضافة إلى قيام جنود الاحتلال بين الحين والآخر بإجراء تفتيش يسيء للأسيرات ويسبّب لهن معاناة مستمرة، خصوصاً التفتيش الشامل المسمّى "الخابوص" الذي يقوم به جنود الاحتلال بشكل مستمر يعبثون خلاله بحاجيات الأسيرات، حيث يقومون بإخراج جميع الأسيرات من الغرف إلى الخارج ويتمّ تفحّص الغرف بشكل كامل حتى الجدران والأرضيات.
أما الأمر الأكثر إذلالاً فهو العدّ الذي يكون لثلاث مرات في اليوم: في الصباح والظهيرة والمساء، وعلى كل الأسيرات الاصطفاف في الغرف أمام جنود الاحتلال ومجنداته.
والعذاب الآخر الذي تواجهه الأسيرات هو زيارات أهلهن وذويهن، فهي الأصعب والأقسى حيث يتعرّضون للمعاناة بشكل مستمر ودائم، وإذا سمح لهن بزيارة ذويهن فهم لا يسمحون لكثير من الأقارب ولا يسمحون بإدخال الملابس التي يحتاجونها، إضافة إلى تفتيش الأهل وإذلالهم على الحواجز الصهيونية التي يمرّون عبرها.
لا تنسوا الأسيرات
أوجّه صرخة إلى كلّ المجتمع الدولي وإلى الشعب الفلسطيني "البنات البنات.. الأسيرات الأسيرات" لا تنسوا الأسيرات فهن أكثر فئات الشعب الفلسطيني تضرراً، وأناشد الحكومة الفلسطينية أن يكون إطلاق سراح الأسرى وعلى رأسهم الأسيرات الأكثر معاناة من بين كافّة الأسرى في السجون والمعتقلات الصهيونية.
كثير من الأطفال لا يزالون بحاجة إلى أمهاتهم الأسرى، وكثير من الأمّهات بحاجة إلى أبنائهن الموجودين في الخارج، ويجب أن نعمل سوياً على إطلاق سراحهن.



 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003