عمان/غسان دوعر
ينظر الدكتور مأمون جرار إلى قضايا الأدب بعمق وموضوعية، ويتابع النتاج الأدبي
من موقع المهتم والمتخصّص، لذلك فإن آراءه في الواقع الأدبي تستحقّ التوقّف
عندنا والتفكّر فيها. وهنا هذا الحوار:
- تعاني الأمّة المسلمة اليوم من استضعاف حضاري بلغ
الذروة بعد احتلال العراق، إلى أي حد أثر ذلك على المثقف؟ وما هو دور المثقفين
في التصدي لهذا الاستضعاف؟
* بدأ استضعاف الأمة المسلمة منذ اكثر من قرنين، يوم تحولت الدولة العثمانية من
دولة عظمى إلى رجل مريض، ومن دولة تصول وتجول في أوروبا إلى دولة تتآكل أطرافها
في أنياب الدول الأوروبية.
ولم تفلح كل محاولات النهضة التي شهدتها الأمة في إعادة الروح إليها، أو في
إعادتها إلى دورها الحضاري. وقعت بعض النجاحات الجزئية هنا وهناك، ولكن مفهوم
الأمة تراجع، ولم تستطع الأمّة الإسلامية أن تتصرف باعتبارها أمة واحدة على مدى
القرنين الأخيرين، ولم تستطع كلّ شعارات الوحدة استئصال الإقليمية من النفوس أو
إزالتها عن الخرائط. وقد أسهم (المثقفون) في تكريس هذا الواقع، ومن هنا يأتي
دور المثقف المسلم في هذه المرحلة التي بلغت فيها الحملة على الأمّة ذروتها،
بهذه الهجمة الأميركية التي تجلت في أفغانستان والعراق في أبشع صورها، وأعادت
إلى السياسة الدولية مرحلة الاستعمار العسكري.
المطلوب من المثقف المسلم أن يستثير في الأمة عناصر القوة، ويبث في الأمة روح
الأمل، ويوقظ روح المقاومة، بالكشف عن عناصر القوة المغيبة، وباستثمار تجارب
التاريخ الإسلامي التي تعرضت فيها الأمّة لغزوات عنيفة وبخاصة في مرحلة الغزو
الفرنجي ومرحلة الغزو المغولي.
المطلوب مقاومة الأصوات التي تدعو إلى الاستسلام أو السير في ركب النظام
العالمي الجديد، والمطلوب السعي إلى إعادة الهوية الحقيقية لهذه الأمة:
الإسلام، والدعوة إلى الوحدة، والحرية وكرامة الإنسان، واستثمار العقول
والموارد الطبيعية، وتحويل بلاد الإسلام من أرض طاردة للعقول إلى بيئة جاذبة
لها.
- لا يختلف اثنان على أن قضية المقاومة باتت من أكثر
القضايا صعوبة وتعقيداً على الساحة الفلسطينية، فما هو دوركم كمثقفين في حماية
المقاومة والدفاع عنها؟
* من فضل الله علينا أن هناك ثوابت لا يستطيع أحد مسّها، وأبرز الثوابت القرآن
الكريم. وفي هذا الكتاب العظيم نجد الدعوة إلى الجهاد، ويعضد ذلك ما ورد من
أحاديث الجهاد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويضاف إلى ذلك سيرة النبي صلى
الله عليه وسلم وتاريخ هذه الأمة المليء بصور البطولة والمقاومة.
والمطلوب منا نحن المثقفون أن نبث روح الجهاد في الأمة، وأن نقدم النماذج
الجهادية منذ عصر النبوة حتى العصر الحديث. وإشاعة ثقافة الجهاد من أكبر
العوامل لإدامة المقاومة ورفدها بالمدد الدائم الذي لا ينقطع. ولعلنا نلاحظ كيف
يخطط أعداؤنا لإشاعة روح الميوعة، والنزعة الاستهلاكية، والرضى بالحياة الدنيا،
والغفلة عن الآخرة، أي نجد السعي إلى تحويلنا إلى حيوانات استهلاكية تمثلها
الآية الكريمة (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى
لهم).
الملطوب من المثقفين إدراك هذه المخططات والوقوف في وجهها مع استخدام الوسائل
المعاصرة من إذاعة وتلفاز وصحافة وانترنت بأسلوب عصري يحسن الوصول إلى الناس.
والمقاومة ليست لهباً يمكن أن يطفأ بريح شديدة، بل هي بركان يتفجرّ لهباً، قد
يخمد أحياناً، ولكن ثورته قدر موعود.
- فلسطين والقدس تباع في مزادات التسوية السياسية، فهل
من وقفة أدبية وثقافية صارمة لمواجهة ذلك؟
* من مآسي واقعنا أن بعض المحرّمات التي كان التفكير فيها منذ سنوات كفراً
وزندقة صارت فضائل يتحلّى بها (المناضلون) الذين خلعوا (بدلة الفوتيك) ولبسوا
(بدلة السموكن)، وبذلك تغيرت مفاهيم كثيرة. ومن هذه المفاهيم (فلسطين) التي
كانت من البحر إلى النهر، ثم صارت لدى تجار السياسة الواقعية الضفة الغربية
والقطاع، محذوفاً منها المستوطنات والطرق الالتفافية!!
والقدس، أرض الاسراء، والمسجد الأقصى، صارت موضع مساومة لتحقيق مكاسب عاجلة،
ولو أدى الأمر إلى المقامرة بمستقبل الأجيال. المطلوب منا معشر المثقفين ألا
نقع في الحمأة المسنونة! وألا نغرق في المستنقع النجس، مستنقع السياسة
الواقعية. المطلوب أن نحافظ على المثل والثوابت التي لا تحتمل الطرح أو القسمة.
المطلوب أن نجعل من فلسطين التاريخ والواقع والمستقبل محوراً لدراسات وبحوث،
ومؤتمرات ومهرجانات، وقصائد وأناشيد، وروايات وقصص، ولا معنى لفلسطين بغير
القدس، وإذا كان شعراء الحقبة الصليبية قد نظموا "القدسيات" فنحن بحاجة إلى
"قدسيات" معاصرة، لا في الشعر وحده بل في فنون الأدب كلّها.
- ما هو موقف الأدب الإسلامي من اليهود والصراع مع
الحركة الصهيونية في فلسطين؟ وما هو حجم قضية فلسطين في نتاج المبدعين والأدباء
الإسلاميين؟ وهل أنتم راضون عن هذه المساهمات؟
* موقف الأدب الإسلامي أو الأدباء الإسلاميين من اليهود والصراع مع الحركة
الصهيونية هو موقف الإسلام. وهل يمكن أن يكون لهم موقف غيرهم ليكون موقفاً
إسلامياً؟ والمطلوب أن يسخر الأدباء الإسلاميون أقلامهم نثراً وشعراً، قصة
ورواية ومقالة، وتمثيلية، لخدمة قضية الإسلام في فلسطين، ببث روح الجهاد،
ومقاومة الاستسلام، واستثارة التاريخ الذي يبعث الأمل، ويدفع اليأس.
لقد استحوذت قضية فلسطين على مساحة لا بأس بها من نتاج المبدعين الإسلاميين،
وما أظن شاعراً إسلامياً في مشارق الأرض ومغاربها غابت فلسطين عن إنتاجه
الأدبي. وإذا شئت مثلاً من المغرب، فهناك الدكتور حسن الأمراني ورفقة له،
فلسطين في قلوبهم وأدبهم، ومرّ بمصر وشعرائها وأدبائها الإسلاميين، وقل مثل ذلك
في عبدالرحمن العشماوي في السعودية، وهذه أمثلة لا تفيد الحصر. وأما عن أبناء
الأردن وفلسطين من الأدباء الإسلاميين فقضية فلسطين هي قضيتهم.
- يتهيّب بعض الأدباء والروائيين الإسلاميين من دخول
ميادين التاريخ والكتابة والأدب الفلسطيني، خوفاً من انحدار أدبهم إلى النزعة
الإقليمية، فهل تتفقون مع هؤلاء، وما تفسير هذه الظاهرة؟
* لا أدري إن كان هذا الأمر دقيقاً أو صحيحاً، وإن وجد فإنه غير صائب، ولعلك
تعني الروائيين أو الأدباء الإسلاميين الفلسطينيين. والرد على هذه النزعة هو:
لماذا نجد لأنفسنا فسحة للكتابة عن جهاد المسلمين في أفغانستان أو كشمير أو
البوسنة أو الشيشان، ثم إذا جاء الأمر عند فلسطين (تطهّرنا) من الإقليمية؟!
الإقليمية المرفوضة هي التمترس وراء البقعة التي ينتمي إليها الإنسان، وجعلها
موضع ائتمان، والمسلم عقيدته هي جنسيته وانتماؤه، ودفاعه عن الأرض والعرض جهاد.
ولو نظرنا بعين الإنصاف لوجدنا أن كثيراً من الأدباء وبخاصة الشعراء لا وجود
لهذا التوجه إليهم، أي التحرج من الكتابة عن القضية الفلسطينية، وإذا وُجد خلل
في الإنتاج الروائي أو القصصي فذلك ناتج عن قلة المواهب القصصية في صفوف
الإسلاميين.
- تفتقد الرواية الفلسطينية البعد الإسلامي تماماً، وكأن
فلسطين في قارة أخرى.. غياب البعد الإسلامي هذا يتجه في رأيك لمعادلة خاطئة؟
* الرواية والرسالة التي تحملها هي صورة عن فكر كاتبها ووجهته. ولعل مما يستحق
الإشارة أن الاتجاه الإسلامي في الأدب الفلسطيني حديث بالقياس إلى عمر هذا
الأدب. وعندما كتبت بحثي الذي نشر في كتاب بعنوان (الاتجاه الإسلامي في الشعر
الإسلامي الحديث) كان موضوع تساؤل، ثم تبعه كتاب كامل في رسالة جامعية قدّمها
الدكتور محمد شحادة تيم، ثم تبع ذلك دراسات أخرى. ولكن علينا أن نذكر أن هناك
ضعفاً في الانتاج القصصي والروائي الإسلامي في فلسطين. وإذا استثنينا القاصة
والروائية جهاد الرجبي لم نجد في الأسماء الروائية والقصصية الفلسطينية إلا
هواة من الإسلاميين لم يبلغوا مرحلة الاحتراف لتكون القصة أو الرواية عنوان
شخصيتهم، ولا ننسى ريادة أمين شنار في رواية الكابوس، ولكنها وحيدة في إنتاجه
فيما أعلم. وأما الرواية الفلسطينية بعامة فإن أبرز كتابها كأبرز شعراء فلسطين
ليسوا من الاتجاه الإسلامي، بل أكثرهم يساري النزعة.
- هناك من يتّهم الأدب الفلسطيني بأنه مباشر وخطابي
وتسجيلي، فإلى أي مدى يمكن تجاوز فنية العمل الأدبي لصالح قضية سياسية؟
* لا يخفى أن الأحكام العامة ظالمة، لأنها لا تقوم على استقراء كامل لجزئيات
القضية. فهل درس من يطلق هذه الأحكام الأدب الفلسطيني كله؟ قد يقال إن من روافد
الأدب الفلسطيني ونجاحه الشعر، ما ينظم في المناسبات ليلقى على الجماهير، هذا
اللون من الشعر الهامس الحالم الذي يصلح لبرنامج (همس الليل). وأظن بل أجزم أن
الأدب الفلسطيني كغيره من آداب الشعوب فيه الخطابي التسجيلي، وفيه المعبر عن
الهم الذاتي، وفي كلتا الحالتين لا علاقة للخطابي أو السياسي بالفني! أي ليست
العلاقة بينهما علاقة تنافر. أو ليست قصيدة أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
قصيدة تاريخية تسجيلية رنانة، أو ليست قصائد المتنبي في سيف الدولة كذلك. ولكن
هذا الشعر راق فنياً. ومثل هذا يقال في الشعر الفلسطيني، ولكن الأمر بحاجة إلى
دراسات مفصّلة لا أحكام مطلقة ظالمة.
- يتّهم الأدب الفلسطيني بأنه ذو طابع ميلودرامي سواء في
موضوع البكاء والنواح أو فيما يتعلق بموضوع الفدائي السوبرمان. هل هذه الظاهرة
أضرت بالأدب الفلسطيني أم لا؟
* يبدو لي أن الذين يطلقون الأحكام أو الاتهامات أناس يعيشون في عالم آخر غير
العالم الذي يعيشه أهل فلسطين. ماذا نتوقع من إنسان يعيش تحت الاحتلال،
والدبابات تحاصره، والجرافات تهدم بيته وتقتلع أشجاره، والمشروع الصهيوني
الحقيقي هو اجتثاث جذوره ووجوده؟! من ينتج الأدب الحقيقي هو الذي يعيش الواقع،
ويمثّل خصوصية تجربته. والذي يقرأ الأدب ينبغي ألا يضع مقاييس للكاتب، بل عليه
أن يتقبل ما يقدم إليه، مع مراعاة خصوصية التجربة. وأما ظاهرة الفدائي
السوبرمان فأظن أن الأدب الفلسطيني والعربي بصورة عامة لم يرتق بعد إلى الفعل
البطولي الذي يقوم به المجاهدون في فلسطين.
إن خطوات الفدائي الاستشهادي منذ لحظة القرار بالاستشهاد إلى لحظة الضغط على
الصاعق لتفجير الجسد، ليصبح شظايا تقتلع عين المحتل وتحرق وجوده، وتخترق كيانه،
هذه الخطوات لن يرتقي إلى وصف مشاعرها ودقائق لحظاتها كلّ أقلام الأدباء.
وأتمنى من كل شاعر أو قاص أن يحاول استحضار هذه المسيرة (من القرار إلى
الانفجار) لتتوهج اللحظات نوراً في المسيرة نحو القدس، ونحو فلسطين من النهر
إلى البحر.
الدكتور مأمون جرار
- ولد في قرية قلعة صانور لواء جنين بفلسطين عام 1949.
- تلقى تعليمه الابتدائي في قريته، وأنهى الثانوي في جنين عام 1967.
- تلقى تعليمه الجامعي في عمّان، وحلّ أولاً على دفعة التخرّج عام 1971 حيث حصل
على الليسانس في اللغة العربية وآدابها.
- شارك كناقد وصحافي وشاعر في العديد من المؤتمرات الفكرية والثقافية والأدبية.
- أصدر عدداً من الدراسات والكتب والمجموعات الشعرية، كانت باكورتها عام 1969
بعنوان "القدس تصرخ". كما صدر له "من الشعر الإسلامي".
- يترأس مكتب رابطة الأدب الإسلامي في عمّان منذ تأسيسه.
|