|
































| |
|
قبسات |
ظاهرة النبوغ العربي في الغرب
كثيراً ما نسمع بمصطلح "هجرة الأدمغة العربية"، حيث أن غالبية هذه الأدمغة
تيمّم وجهها شطر الولايات المتحدة وفرنسا في الغالب، وكثيراً ما يوجَّه اللوم
إلى محاولات الولايات المتحدة اغتصاب المواهب العربية، والاستفادة منها
باستقدامها عبر الإغراءات والتهديدات، ونسمع بالمقابل أن هناك منافساً يحرص على
عدم بروز هذه النوابغ، ونزعم وندّعي أن مؤامرات قتلت اللبنانيين المخترع حسن
كامل الصباح وعبقري الفيزياء النووية في فرنسا رمّال رمّال بسبب نبوغهما، علماً
أن المستفيد الأول من هذا النبوغ كان الغرب. (كنت قد سألت شقيقة رمّال رمّال
شخصياً فقالت إنه كان مريضاً ويعيش بقلب صناعي).
لا ننكر أن هناك من تمّ اغتياله، إلا أن قاعدةً اتُبعت إزاء هذه القضية، هي أن
من لم يشكّل خطراً بعودته إلى بلاده كما هي الحال مع بعض العلماء العراقيين
والمصريين، فإن أحداً لا يفكّر باغتياله.
مؤخراً، وبعد انقطاع ثلاثين سنة، أعادته الجامعة الأميركية في بيروت منح شهادات
الدكتوراه الفخرية، وحدث أن نالها ستّة أشخاص من أصل عربي، لم يحقّق أحد منهم
إنجازاً في بلاده، وهم المفكّر إدوارد سعيد ورجل الأعمال حسيب صباغ والأديب
أمين معلوف ورجل الأعمال كارلوس غصن (البرازيلي اللبناني الذي حقّق أسطورة شركة
نيسان اليابانية) والصحافية هيلين توماس (لبنانية الأصل وكانت عميدة صحفيي
البيت الأبيض) والجزائري الأخضر الإبراهيمي (برز كموفد للأمم المتحدة، وليس
للجزائر).
ولم يكرَّم هؤلاء الأشخاص في بلادهم، ولم ينبُغوا أيضاً في بلادهم، بل كرّمتهم
مؤسّسة ذات جذور وطابع وتوجّه أميركي.
الغرب لا يركض وراء طلابنا ومفكرينا، ولكنه يؤمّن المخصّص المناسب والاهتمام
العلمي وتكافؤ الفرص وتأطير المواهب في المشاريع، والحياة المادية المريحة،
فكيف لا يفكر هؤلاء بالهجرة ولا يكون الوصول والعلم والعمل في تلك البلاد منتهى
الطموح؟ وأي بلد عربي يؤمّن هذه الفرصة للنوابغ؟
الدكتور فاروق الباز مستشار وكالة الفضاء الأميركية، ورئيس معهد تكنولوجيا
الفضاء في هيوستون بأميركا، يتذكّر أنه عاد بشهادة الدكتوراه في علوم الفضاء
إلى مصر عام 1967، فعيّن أستاذ كيمياء لمدرسة متوسطة في منطقة بور سعيد الفارغة
من أهلها بسبب الحرب آنذاك. وعندما لم ينجح في العمل بمجاله، حمل أوراقه
وأحلامه ورحل. فهل كان سيحقّق ما حقّقه لو بقي في بلادنا؟ ومثله الدكتور أحمد
زويل، الحائز على جائزة نوبل، وغيرهما الكثير.
ليست المسألة إذاً طمعاً أميركياً فقط، بل سوء تقدير وإدارة في بلادنا، التي
يبلغ متوسط دخل الأستاذ الجامعي –في مصر مثلاً- 320 دولاراً، فيما يصل في بلاد
مثل بوركينا فاسو إلى سبعة آلاف دولار!. وكفانا فخراً بإنجازات أبنائنا في
الغرب، فلولا تلك البيئة ما تحقّقت هذه الإنجازات! أليست البيئة التي أمّنها
الخلفاء هي المساهم الأبرز في صعود الحضارة الإسلامية؟ فأين هي البيئة
والاهتمام الرسمي العربي بالعلماء؟
والظلم المزدوج الذي لحق بالطالب باسل عبد المجيد منذ بضع سنوات مثال صارخ على
هذه القضية. هذا الطالب الفلسطيني كان الأول على مستوى تركيا في مادة الكيمياء
النفطية، ما لم يحاول متابعة علومه الأكاديمية فإن الأمثل لديه هي الخليج
العربي. قدّم أوراقه لشركات النفط في الخليج، ولبعض الدوائر الحكومية هناك،
فرُفض طلبه. وكانت المفاجأة أن اتصل الملحق الثقافي (العلمي) في السفارة
الأميركية في تركيا عارضاً عليه متابعة دراسته مجاناً في الولايات المتحدة حتى
نيل الدكتوراه، على أن يعمل في الجامعة أو في مؤسّسات أميركية متخصّصة بعد
تخرّجه، فوافق سريعاً.
حتى الآن لم يسمع أحد به، وربما سيأتي يوم نفخر بإنجازاته كأنها صنع بيئتنا..
بكلمة، ما لم تتغيّر ظروف البحث العلمي وتكافؤ الفرص واحتضان المواهب ودعم
الإبداع والنبوغ، فستبقى بلادنا في ركب الدول المتأخرة التي تسمّى تلطيفاً
"الدول النامية". وسنظل نصدّر العقول وهي طرية ونبكي عليها وندّعي وصلها وهي
ناضجة مبدعة.
أصداء
تضامناً مع الأسرى
أسماء كثيرة تمرّ في مخيّلة القارئ لدى ذكر مصطلح "أدب السجون"، من خبيب بن عدي
رضي الله عنه، مروراً بأبي فراس الحمداني، وصولاً إلى شعراء الحركة الإسلامية
كالشهيد سيّد قطب، والشهيد هاشم الرفاعي، والشيخ يوسف القرضاوي.
إلا أن تاريخ المقاومة الإسلامية الحديثة، وما شهدته من اعتقالات شملت آلاف
الأسرى، لم يتناول فيه أحد ما كتبه هؤلاء من قصائد، سواء جمعاً أو دراسة.
ومع أن تجربة السجون تعتبر تجربة فريدة يتمناها بعض الشعراء الحالمين بالعزلة
والتفكّر من أجل شعر أكثر عمقاً (حتى الحداثيون يعتبرون العزلة حافزاً للارتقاء
والذاتية في مواجهة التأثّر بالبيئة والآخر)، ومع أن السجون تشهد غزارة إنتاج
في الشعر والشعراء، إلا أن أحداً لم يجمع أو يدرس هذه التجارب.
ويبدو أن هذا الموضوع الكبير –عمقاً واتساعاً- لن يستطيع النقاد تناوله بسهولة
وسرعة، مع أنه من الأولويات، خاصّة وأن قضية الأسرى تشهد تحريكاً استثنائياً
هذه الأيام، وسيحتاج الدارسون وقتاً طويلاً لجمع المواد الكاملة من أجل هذه
الدراسة، بسبب الحصار وغزارة الإنتاج وتفاوت المستويات.
غير أن هذا لا يغني عن الدعوة والقول بضرورة تناول هذا الأدب، والبدء بالعمل
على مشروع السجون بالموازاة مع قصص الأسرى وأنشطة التضامن معهم. وأول ما ندعو
أنفسنا للمساهمة في هذا المشروع. لذا، فالمجال مفتوح في "أوراق ثقافية" لمقالات
أو تجارب تتعلّق بالموضوع.
|
| |
|