|
































| |
|
الإدارة الأميركية: أزمة معلومات
أم أزمة ثقة! |
واشنطن/كمال الحسيني
كان المراقبون يتوقّعون أن ينعكس سقوط النظام العراقي -وانتهاء الحرب بسرعة
وحسب الخطة المرسومة لها- إيجابياً على الوضع الأميركي الداخلي. إذ كان من
المتوقع أن تنخفض أسعار النفظ بشكل كبير بإعادة نفط العراق إلى الأسواق
العالمية، وأن يرتفع مؤشّر داو جونز للأسهم بإعادة الثقة باقتصاد الولايات
المتحدة ومركزها، وأن ينتعش الاقتصاد الأميركي بعد ثلاث سنوات من الركود. لكن
شيئاً من ذلك لم يحدث حتى وبعد مرور ما يقارب ثلاثة أشهر على انتهاء الأعمال
العسكرية، بل العكس من ذلك فلقد تفجّرت سلسلة أزمات بدأت برئيس الوزراء
البريطاني توني بلير حليف الولايات المتحدة الرئيسي في حرب العراق، وامتدت لتصل
إلى الولايات المتحدة، وتتمحور حول قضايا رئيسية ثلاثة: أسلحة الدمار الشامل،
علاقة العراق بالقاعدة، والوضع الاقتصادي وتكاليف الحرب الباهظة.
أسلحة الدمار الشامل
إن فشل القوات الأميركية في إيجاد أسلحة العراق الجرثومية والكيميائية سبّب
حرجاً للإدارة الأميركية، وزاد الأمر سوءاً اعترافُ البيت الأبيض بأن الجزء
المتعلّق باستيراد العراق لليورانيوم من دولة النيجر والذي ورد في خطاب بوش
للأمّة في 28 كانون ثاني/يناير كان خطأً. يُذكر أنه سبق إعلان البيت الأبيض
إعلان السفير السابق جوزيف ويلسون الأسبوع الماضي أنه وبطلب من المخابرات
المركزية CIA قام بزيارة إلى دولة النيجر في شباط/فبراير عام 2002 للوقوف على
حيثيّات موضوع اليورانيوم وأنه لم يجد ما يسند تلك المعلومات.
بعد اللغط الكثير الذي دار حول الموضوع خرج أعضاء الإدارة الأميركية ولا سيّما
وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس عن صمتهم
يدافعون عن الرئيس بوش. ففي مقابلات تلفزيونية عديدة أكّدت رايس في مقابلة مع
محطة (فوكس) "أن العبارة التي ذكرت في خطاب الرئيس عن ((حال الاتحاد)) ((State
Of Union)) وافقت عليها كلّ الأجهزة الأمنية المعنية وأن الأدلّة عليها كثيرة
ولا تنحصر بالوثيقة التي تبيّن لاحقاً أنها مزوّرة، وقالت أيضاً ((إنه من
السخافة الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ذهبت للحرب فقط لأن العراق حاول شراء
اليورانيوم من أفريقيا، ذلك كان جزءاً من قضية أكبر)).
مدير المخابرات المركزية جورج تينيت تحمّل مسؤولية الخطأ مرغماً على ما يبدو
وقال ((إن الكلمات الستّة عشرة كان يجب أن تحذف من الخطاب))، منوّهاً إلى
العبارة التي ذكرت فيها قصّة اليورانيوم. مع ذلك فإن مسؤولين داخل المخابرات
المركزية يؤكّدون أن جورج تينيت استطاع أن يحذف ادعاء شبيهاً بذلك من خطاب
الرئيس بوش في مدينة سينسنا في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وأنه لم يقرأ مسودّة
خطاب الرئيس الذي ذكرت فيه العبارة تلك، وأن موظفي مكتب نائب الرئيس تشيني
كانوا وراء تضمين الخطاب العبارة المذكورة. الأنباء تتوارد على أن المعلومات
المغلوطة لا تنحصر بشراء اليورانيوم من أفريقيا بل تتعداه لقضية أنابيب
الألمنيوم التي تبيّنَ استحالة استعمالها لأغراض نووية، وقضية المختبرات
المتنقّلة لإنتاج أسلحة الدمار الشامل والتي لم يعثر على أي منها.
العلاقة مع القاعدة
الادعاء الآخر الذي بنت عليه الإدارة الأميركية قضية اجتياح العراق هو علاقة
نظام صدّام حسين بالقاعدة. فقبل الحرب اتهمت الإدارة العراق بمساعدة القاعدة
وتزويدها بالتكنولوجيا لتصنيع الأسلحة البيولوجية والكيميائية وإيواء أحد قادة
القاعدة أبو مصعب الزرقاوي لكن رجال الإدارة اليوم ينفون هذه الادعاءات.
جريج ثيلمان Grey Thilman أحد موظفي الأمن في وزارة الخارجية والذي ترك منصبه
في أيلول/سبتمبر الماضي قال ((لا يوجد هناك أي تعاون بين العراق والقاعدة)).
مسؤولون أميركيون آخرون أكّدوا أيضاً أن القوات الأميركية في العراق لم تجد ما
يبرهن على وجود هذه العلاقة. أبو مصعب الذي عولج في بغداد في أيار/مايو 2002
والذي وصفه كولن باول وزير الخارجية الأميركي بأنه أحد قادة القاعدة تقول
المصادر الأميركية أنه يعمل لوحده. تجدر الإشارة بأن علاقة نظام العراق مع
القاعدة كانت محلّ شكّ منذ البداية نتيجة للاختلاف العقائدي بين حزب البعث
والقاعدة.
الوضع الاقتصادي
صرّح دوف زالكمان المسؤول المالي في البنتاغون أن تكاليف ما بعد الحرب في
العراق كان متوقعاً لها أن تساوي 2.2 بليون دولار شهرياً، ولكن هذه التقديرات
تمّ تصحيحها لتبلغ 3.9 بليون دولار شهرياً. موظفون في الكونغرس توقعوا أن
تكاليف مصاريف ما بعد الحرب في العراق قد تصل إلى مئة بليون دولار السنة
القادمة.
قبيل خوض الحرب اقترح الرئيس الأميركي ميزانية سنوية للدفاع قدرها 460 بليون
دولار حتى العام 2008 بزيادة قدرها 74% عن ميزانية الدفاع للعام 1996، والتي
قدرها 265 بليون دولار. أضف إلى ذلك أن العجز في الميزانية للعام الحالي قد بلغ
455 بليون دولار. وتتوقع جهات اقتصادية أن يبلغ العجز السنة القادمة 475 بليون
دولار. هذا ويتخوّف بعض أعضاء الكونغرس من ارتفاع التكاليف غير المباشرة للحرب
خصوصاً إذ ا تمّ الإبقاء على المستوى الحالي للقوات هناك كتدنّي مستوى معدّات
الجيش وارتفاع تكاليف صيانتها أو استبدالها, كذلك بقاء عدد كبير من جنود
الاحتياط خارج أعمالهم ووظائفهم اليومية والتي تؤثّر مباشرة على الاقتصاد
العام. من جهة أخرى ذكرت وزارة العمل في بيانها الصادر في 3 تموز/يوليو 2003 أن
عدد العاطلين عن العمل خلال شهر حزيران/يونيو وصل إلى 360000 عامل، ليبلغ
إجمالي عدد العاطلين عن العمل 9.4 مليون عامل ويصل إلى 6.4% من القوة العاملة.
إن استمرار الأعمال العسكرية في العراق والتدمير والتخريب الذي أصاب قطاع النفط
هناك منع حتى الآن دخول العراق سوق النفط العالمي، مما أدى إلى مراوحة سعر
برميل النفط حول الثلاثين دولاراً، هذا بدوره أثّر سلباً على الاقتصاد الأميركي
في حين توقّع الاقتصاديون أن يصل سعر برميل النفط إلى العشرين دولاراً كما حدث
بعد حرب الخليج الأولى.
وتتواصل النقاشات عن الأدلة التي أدّت إلى الحرب في العراق والتي كان لها
تأثيرها على الرأي العام الأميركي، إذ يفيد استطلاع للرأي أجرته شبكة ABC
التلفزيونية وجريدة واشنطن بوست أن 50% من الأميركيين يعتقدون أن الإدارة
الأميركية بالغت عن قصد فيما يخص أسلحة الدمار الشامل في العراق. فيما اعتبر
52% أن مستوى الخسائر البشرية غير مقبول. 57% من الذين أُخذت أصواتهم اعتبروا
أن معركة العراق كان يجب أن تخاض بعدما كان هذا الرقم 70% في نهاية نيسان/أبريل
2003. من جهة أخرى تشهد إدارة بوش هبوطاً في مستوى التأييد بشكل عام، فمستوى
التأييد لسياسة الإدارة في العراق هبط 17 نقطة من 75% نهاية نيسان/أبريل إلى
58% في الحادي عشر من تموز/يوليو. أما مستوى التأييد لعمل الإدارة ككل فقد هبط
إلى 59% وهي النسبة الأدنى منذ أحداث أيلول/سبتمبر 2001.
لكن بالرغم من هبوط شعبية بوش في استطلاعات الرأي الأخيرة عما كانت عليه من
قبل، وبالرغم من أن المعلومات الاستخباراتية المغلوطة قد زودت الديمقراطيين ولا
سيّما مرشحي الرئاسة بمادة جديدة لمهاجمة بوش وإدارته، والتي كانوا حتى وقت
قصير يتحرجون من ذلك نظراً للشعبية الكبيرة التي يتمتع بها، إلا أنه بصعوبة
بمكان التنبؤ عما ستسفر عنه نتائج الانتخابات المقبلة، لأن الفترة التي تفصلنا
عن ذلك التاريخ طويلة نسبياً وقد تحمل الأيام المقبلة مفاجآت كثيرة ليست في
الحسبان. إن أي تطور على الساحة العراقية كاستتباب الأمر للحكومة الانتقالية أو
إلقاء القبض على صدّام حسين أو اكتشاف أسلحة الدمار الشامل قد يعطي إدارة بوش
دفعة قوية لدى الرأي العام ويحمله إلى فترة رئاسية جديدة. كما إن أي تطور سلبي
على صعيد الساحة العراقية أو على الصعيد الاقتصادي قد يؤثّر سلباً على هذه
الإدارة ويحمل الديمقراطيين مرّة أخرى لسدّة الحكم.
|
| |
|