|
































| |
|
الهدنة والقرار الصائب في الساحة
الفلسطينية |
منير شفيق
ليس ثمّة ما هو أصعب من أخذ القرار السياسي الصائب لا سيّما بالنسبة
إلى قيادات شعبية لا تمتلك التفوّق في ميزان القوى، فيما تسبح ضدّ التيار وتعمل
في ظروف محلية وإقليمية ودولية معقّدة، وغير مشجّعة لاتجاهها. فأحياناً تكون
مؤاتية بسبب تناقضات وصراعات معيّنة، وأحياناً أخرى غير مؤاتية نتيجة تطورات لا
علاقة مباشرة لها بميدان الصراع المحدّد.
وليس أسهل في العمل السياسي من تحديد المبادئ والثوابت وصوغ الأهداف، وربما،
أيضاً، اختيار أسلوب تحقيق الهدف أي: الاستراتيجية والتكتيك. ولكن المشكل يكمن
في ترجمة ذلك عبر القرار السياسي الصائب وفقاً لما يستجد من تطورات، ويتغيّر من
ظروف، وينشأ من تحديات. فما كان سهلاً في بداية الأمر أو في لحظة التشكّل
يتحوّل إلى صعب ومعقّد مع المضي قُدماً في النمو والتأثير، لا سيّما عندما يصبح
الإبحار في المياه العالية والبعيدة عن الشاطئ.
هنا تنشأ ضغوط بعضها مهدّد للوجود، وبعضها يحمل المغريات لينحرف الموقف السياسي
المطلوب اتخاذه عن المبادئ والثوابت والأهداف، وليتعرّض الأسلوب نفسه إلى
التخلي عنه، بهذا القدر أو ذاك، وربّما اندفع البعض إلى نقل البندقية من كتف
إلى كتف بمعنى التخلّي عن الأهداف والاستراتيجية والتكتيك إلى ما هو أدنى.
من يراجع مسار الساحة الفلسطينية وتجربتها المعاصرة، ولنقل منذ 1965 أو عملياً
منذ انطلاقة مقاومة الاحتلال في 1968 سيجد أمثلة حيّة على كثير مما تقدّم،
الأمر الذي يعطي دروساً ثمينة في أهمية القرار السياسي الصائب. لأن كلّ قرار
خاطئ اتُخذ ابتعد بالمقاومة أو الثورة عن المنطلقات (الثوابت والمبادئ والأهداف
والاستراتيجية والتكتيك)، بهذا القدر أو ذاك في كلّ مرّة أو مرحلة. ولا يصعب
على كثير ممن عاصروا تلك التجربة حتى اليوم أن يلحظوا كم ابتعدوا الآن عن
المنطلقات الأولى. طبعاً باستطاعتهم أن يختبئوا وراء مسوّغات (مبرّرات) كثيرة.
ولكنهم لا يستطيعون أن ينكروا فداحة انتقالهم أو استعدادهم للاعتراف بالدولة
العبرية وإعطائها مشروعية في اغتصاب الأرض وتشريد الشعب. ولا يملكون تجاهل بعد
المسافة بين الأهداف الأولى وما يحملون الآن من أهداف، أو ما يمكن أن يقبلوا به
من حلّ. فكلّ حلّ يُسعى إليه في ظلّ ما يُسمّى "خارطة الطريق"، المجهضة
الوهمية، يحمل إذا تحقّق، لا سمح الله، صفة الحلّ النهائي.
هذه النتيجة كانت ثمن الخطيئة الأولى عند بدء التسليم بضرورة ما يُسمّى "الحلّ
المرحلي" أو "البرنامج المرحلي"، الذي يتضمّن حلاً ويكون أساساً لمفاوضات
واتفاقيات. ففي النصف الثاني من العام 1973 وأوائل 1974 مورست ضغوط هائلة
لتبنّي "برنامج مرحلي" (وما كان يوماً بمرحلي بمعنى مرحلة على طريق تحقيق الهدف
الأول الأساسي)، يتقرّر فيه المطالبة بإقامة سلطة فلسطينية، وقد استُتبع بقرار
اعتبار م.ت.ف الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية. وكان
الهدف الحقيقي له (وفي الأساس كان أنور السادات من ورائه) إعفاء الدول العربية
من مسؤولية القضية الفلسطينية، عموماً، وإزالة آثار عدوان 1967، خصوصاً، أي
استرجاع أراضي ما قبل حرب حزيران/يونيو في الضفّة الغربية وقطاع غزّة. من ثم
تلبيس المسؤولية كلّها لمنظمة التحرير الفلسطينية. وهم يعلمون نقاط ضعفها وعدم
التكافؤ مع عدوها، حين تُترك منفردة لتقلع شوكها بيديها وتقرّر في مصير قضيتها
وشعبها.
هذه الخطيئة الأولى من الناحية السياسية كان لا بدّ من أن تنتقل إلى الاعتراف
بقرار 242 الذي يتضمّن الاعتراف بالدولة العبرية في "حدود" ما قبل الخامس من
حزيران/يونيو 1967، ويحتمل المفاوضة على أراض في الضفة والقطاع. ثم جاء التركيز
على شعار إقامة دولة فلسطينية لتصبح نقطة مساومة على الأرض والقدس وحق العودة
وبقاء عدد من المستوطنات الأكبر والأهم.
لو راجع المرء ما قُدّم من حجج وتنظير لقبول "البرنامج المرحلي" لعام 1974 ثم
التخلّي عن كثير من شروطه لحساب "برامج مرحلية" أخرى مع كل مجلس وطني فلسطيني
منذ ذلك التاريخ، يدرك أن كثيراً من تلك الحجج والتنظيرات سيطير ليكرس ما حدث
من تنازل يمهّد، بالضرورة، لتنازل أشدّ وطأة.
وفي المقابل كان باستطاعة حركة فتح على الخصوص (ومعها الشعبية وعدد من المنظمات
التي جُرّت جراً لتقديم التنازلات في ما بعد) أن تضع هدفاً مرحلياً أو مهمّة
"مرحلية" بمعنى هدف يمكن تحقيقه، يتلخّص بدحر الاحتلال عن الأراضي التي احتلت
في حرب حزيران/يونيو والعودة إلى خطوط الهدنة السابقة، وبلا قيد أو شرط، وبما
لا يتضمّن حلاً للقضية الفلسطينية، أو دخول م.ت.ف. في لعبة القرارات الدولية
والمفاوضات. فهذه اللعبة كان من الأفضل والأحكم أن تبقى في عنق الدول العربية
المسؤولة عن استرجاع الأراضي التي كانت في عهدتها. وكانت هذه الدول منخرطة
فيها، على أيّة حال. وبهذا تبقى المقاومة مقاومة، ولا تدخل في صراع أو تنافس
على أرضية الحلول والمفاوضات ولا تكون معرّضة لتقديم أيّة تنازلات تمسّ الثوابت
والمبادئ والمنطلقات، مع احتفاظها بمعارضة التسوية من دون صِدام مع الذاهبين
إليها.
هذا القرار السياسي الصائب يوفّق بين العمل من أجل تحقيق هدف مرحلي، ولا يتورّط
بتقديم "برنامج مرحلي" يتضمّن حلاً للقضية، أو التبرّع بتنازلات مجانية مثل
الموافقة على قرار 242 و338 وما شابه، أو ما يمكن أن يشابه. والمجانية هنا
تتمثّل في تقديم برنامج يتضمّن "حلاً" أي يتضمّن تنازلاً للدولة العبرية أو
تنازلات عن حقوق فلسطينية في وقت لا تكتفي تلك الدولة بأخذ ما قُدّم، ولا الذين
يشرفون على التسوية، لأن المفاوضات مفتوحة على ما بعد ذلك. ومن هنا يكون
"البرنامج المرحلي" فخاً وليس هدفاً مرحلياً يمكن تحقيقه. والأخطر يصبح على
النقيض مع الأهداف الأساسية الأولى، بل يصبح نقيضاً مع نفسه حين يدخل في اللعبة
الدولية وفي المفاوضات. وقد وصل الوضع اليوم إلى حدّ التناقض بين أي "برنامج
مرحلي"، يطرح داخل الساحة الفلسطينية و"خارطة الطريق"، فخارطة الطريق أصبحت
عملياً هي "البرنامج المرحلي". ولكن مصيرها أيضاً في تناقض مع ذاتها، إذ بعد
تقديم ما هو مطلوب من تنازلات جديدة تتضمّنها تخضع للمفاوضات وللرؤية الأميركية
– الإسرائيلية في تأويلها، وإدارة عمليتها ما دام الراعي هو أميركا، أي "الذئب
عدو الغنم".
من هنا يجب التعلّم من دروس التجربة السابقة وحصر الهدف المرحلي بدحر الاحتلال
وتفكيك المستوطنات والعودة إلى خطوط الهدنة بلا اعتراف بالدولة العبرية، أو
التسليم بنتائج حرب 1948 – 1949، وبعد ذلك يكون لكلّ حادث حديث بالنسبة إلى
مختلف الأطراف الفلسطينية والعربية. وما ينبغي لهذا الموقف أن يكون نقطة صِدام
فلسطيني – فلسطيني، أو فلسطيني – عربي، أو عربي – عربي، مع الذين ينخرطون في
مسار التسوية والمفاوضات، ومن دون أن يؤيّدوا، أو لا يعارضوا، ذلك المسار في
الآن نفسه، لأن هؤلاء سيكتشفون أن ما في جعبة أميركا "خارطة الطريق" التي لم
تعد رباعية بعد أن تسلّمتها، لا يمكن القبول به من جانبهم وسيعودون من الرحلة
بما عاد به مفاوض أوسلو في كامب ديفيد، بل على أسوأ بالتأكيد.
الشيء الذي لا يُفهم: لماذا يريد البعض توريط كلّ الساحة الفلسطينية والعربية
بتقديم تنازلات مجانية في الوقت الذي لا يمكن أن تصل فيه تلك التنازلات حتى إلى
تشكيل سقف "الحلّ". كما إن الذين تورّطوا لا يعرفون ما ينتظرهم في الغد من
مطالب أميركية – إسرائيلية يراد أن يلبوها لأنهم لم يسألوا عما تحتويه آخر سطور
الرسالة (المرحلة النهائية للتسوية)، وما إذا كانوا سيقبلون بها.
لقد أثبتت التجربة أن بإمكان اتفاق الساحة الفلسطينية والحفاظ على الوحدة
الوطنية من دون أن يتورّط الجميع في مسار أوسلو أو خارطة الطريق. كما يمكن
الاتفاق على أهداف محدّدة بعيداً عن أي قرار دولي يتضمّن تبنّيه تنازلاً
مجانياً عن ثابت فلسطيني. فيُتفق على الجزء الذي يتفق حوله الجميع، مثل الاتفاق
على إزالة الاحتلال عن أراضي الضفة والقطاع من دون الاعتراف بالقرار 242
كاملاً، ولا سيّما أن أميركا والدولة العبرية وغالبية الدول الأوروبية وروسيا
تركوا الأمر للمفاوضات ولم يستبْقوا منه غير مرجعية اسمية واهية.
وجاء قرار الهدنة الصائب توقيتاً والذي قلب الطاولة في وجه المخطّط الأميركي
الذي يستهدف جرّ الساحة الفلسطينية إلى الاقتتال الداخلي، وجرّ الساحة العربية
الرسمية لتلطيخ يديها بدم الانتفاضة والمقاومة وصمود الشعب الفلسطيني. والدليل
النتائج الفورية لهذا القرار الذي وحّد الموقف الفلسطيني من دون تقديم أي تنازل
مبدئي أو سياسي، ومن دون التخلي عن مقاومة الاحتلال بكلّ أشكالها ما دامت
الهدنة مؤقتة ومشروطة. كما أن القرار رمى بطوق النجاة للموقف العربي للتخلّص من
الضغوط الأميركية التي تريد منه أن يعتبر الانتفاضة ومقاومة الاحتلال
"إرهاباً". ومن هنا فإن قرار الهدنة يُعتبر قراراً هجومياً اعتراضياً على
الهجمة الأميركية ضدّ الشعب الفلسطيني والمنطقة بعد العدوان على العراق. ومن ثم
يمكن أن يُتخذ مثلاً على اتخاذ القرار السياسي الصائب، من خلال اختراق الظروف
المعقّدة التي تواجه الوضع الفلسطيني بل الوضعين العربي والعالمي.
|
| |
|