فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

FM-M Aug 2003
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
أخبار وتقارير4
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
شؤون فلسطينية5
شؤون العدو
تحقيق
الغلاف
رأي
شؤون عربية1
شؤون عربية2
شؤون دولية1
شؤون دولية2
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
حصاد الأيام
قضايا
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

قصّة وأسباب الخلاف بين أبو عمار وأبو مازن:
حرب باردة في مناخ ملتهب
صراع مصالح بين أقطاب القوة في سلطة الحكم الذاتي
- أبو مازن استقال كي يضغط على عرفات ويحرجه دولياً
- عرفات رصد ستّة ملايين دولار لإعادة هيكلة حركة فتح
- دحلان يسحب قيادات فتح والطيراوي يغري المطاردين

القدس/مها عبد الهادي
الخليل/خاص
عكس الوضع الذي دفع برئيس وزراء سلطة الحكم الذاتي محمود عباس إلى الاستقالة من اللجنة المركزية لحركة فتح الموقف الصعب الذي وجد نفسه فيه خصوصاً داخل معسكره، حيث بدا عباس خلال الشهر الأخير يعاني من شبه عزلة من أكثر من جانب لكثرة الأمواج المتلاطمة على شاطئه كلّما حاول الغوص أكثر فأكثر إلى العمق.
فمن ناحية واجه عباس ولا يزال انتقادات من حركته الأم فتح، والتي اتهمته بأنه غير حازم في مفاوضاته مع (إسرائيل)، وبات يجد نفسه ضعيفاً إذ إنه يتحرك على الصعيد الداخلي في نظام "تعايش" مستحيل مع رئيس سلطة الحكم الذاتي ياسر عرفات الذي أُرغم أصلاً على تعيينه في منصبه.
ومن الجانب الآخر يواجه أبو مازن ضغط الحركات الفلسطينية الأخرى التي تنتظر منه أن يتفاوض مع الإسرائيليين لإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية، لا توجيه الأوامر إلى أجهزته الأمنية لجمع سلاح المقاومة.
هذا عدا عن ضغوط الحكومة الإسرائيلية التي لا تقدّم التنازلات إلا بالقطّارة وتطالبه "بتفكيك" المجموعات المسلحة.
ورغم أن أبو مازن لا زال يحتفظ بورقتين حاسمتين يمكن أن تسمحا له بتجاوز الأزمة: الأولى دعم الولايات المتحدة الأميركية التي تراهن عليه كلياً، والثانية عدم وجود من يحل مكانه، إلا أن هذه الأزمة الثلاثية الأطراف داخلياً لا زالت تخلق حالة من البلبلة ليس في صفوف حركة فتح فقط وإنما داخل الشارع الفلسطيني برمّته، بل وإن انعكاساتها وصلت إلى داخل الحلبتين السياسيتين الأميركية والإسرائيلية. فدولة الكيان الصهيوني وجدتها من جانبها فرصة لتحميل رئيس سلطة الحكم الذاتي المسؤولية الكاملة عنها وهدّد ساستها باتخاذ إجراءات إضافية ضدّه تراوحت ما بين الاعتقال والإبعاد.
أما الإدارة الأميركية فتدخلت فوراً لإنقاذ أبو مازن وتقديم العون له، لأن مجرّد انسحاب أبو مازن من الحلبة السياسية سيعني انهيار كلّ ما تمّ التوصل اليه حتى الآن في المجال السياسي وهو المجال الذي تعلق عليه الولايات المتحدة آمالاً عريضة.
من يدير الأزمة؟
لم تكن عملية استشراف الأزمة داخل حركة فتح بالعملية الصعبة في ظلّ الصراع الذي بدأ منذ أشهر ما بين عرفات وأبو مازن، لكن غير المتوقّع في رأي المراقبين للساحة الفلسطينية كان التندّر بانتقال الصراع بشكل علني وعبر المنابر الإعلامية ما بين تيّاري أبو مازن وعرفات داخل فتح، وهو الأمر الذي أدّى إلى حصول انشقاقات ليس فقط في المواقف بينهما وإنما في مسألة إدارة الصراع، ووصل صدى هذا الانشقاق إلى القيادة السياسية الأولى المتمثلة بالوزراء وانتقلت إلى الأجهزة الأمنية ومديري المحافظات وأعضاء المجلس التشريعي، وكانت الذروة بتقديم أبو مازن استقالته من اللجنة المركزية لحركة فتح.
ويرى عدد من المحللين بأن موقف فتح من الأزمة الأخيرة ينمّ عن عدم وضوح واضطراب وتأرجح ما بين مصالح متناقضة رغم إعلان الحركة –فتح- عن تمسكها بالخيار السياسي ودعمها لحكومة أبو مازن، فالصراع ما بين عرفات وأبو مازن وضعف الأخير في تحقيق إنجازات على الصعيد السياسي زاد من حالة الغضب والانزعاج داخل الحركة.
وقد دفع ذلك بكلّ من القطبين إلى القيام بمحاولات تحشيد لعناصر فتح من خلفهما، عبّر عنها محمد دحلان الموالي لمحمود عباس بوضوح في تعليقه على الأزمة القائمة والتي جاءت بعد القرارات التي أصدرها عرفات بتعيين هاني الحسن مفوضاً عاماً لفتح في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، إضافة إلى إحداث تغييرات أخرى، بقوله إن حركة فتح تعاني من عدم وضوح في آلية اتخاذ القرار عبر أطرها المتعددة، وأضاف: "أشعر بالعيب أن الفصائل الفلسطينية المعارضة التزمت بالهدنة فيما لم تلتزم بها حركة فتح رغم أنها تضمّ عدّة أطر".
وأضاف: "أنا عضو في المجلس الثوري ولا أعرف أين موقف فتح السياسي، أنا آخذ الموقف السياسي من الأخ أبو عمار والأخ أبو مازن ولا يوجد موقف محدّد ناتج عن نقاش كذا وكذا".
وأكّد دحلان أن حركة فتح بحاجة إلى إصلاح معتبراً أن صاحب القرار في إصلاح فتح والوضع السياسي هو عرفات وليس أحداً غيره.
أما صخر حبش عضو اللجنة المركزية لفتح الموالي لعرفات فقد اعتبر بأن الاتفاق الذي تمّ مع عمر سليمان مدير المخابرات المصرية تمّ فيه قبول دحلان وزيراً شريطة أن لا يتعدّى في صلاحياته على من هم أعلى منه رتبة، إذ لا يجوز أن يبسط نفوذه وصلاحياته على رتب عليا، مما يثير ردود فعل واستياء في القيادات الأمنية –حسب قوله-.
هذا المظهر للأزمة يشير حقيقة إلى خطورة الأزمة داخل فتح بعد انقسام الوزراء وقادة فتح أنفسهم إلى قسمين: بعضهم تمسّك بموقفه المؤيد لعرفات، والبعض الآخر كان مؤيداً لأبو مازن بشدّة ومعارضاً لسياسة عرفات.
عرفات يستعدّ للمواجهة
ويبدو أن عرفات شعر بأن كثيراً من الوزراء والمؤيدين له قد انسلوا وانضموا إلى معسكر أبو مازن وبدأوا في استقطاب آخرين من وزراء وقياديين في فتح استعداداً للمرحلة الجديدة.
لكن عرفات الذي لم يألف الاعتراف بالهزيمة؛ خصوصاً إذا تعلّق الأمر بصلاحياته وإدارته لشؤون السلطة، بدأ برسم سياسة جديدة تكبّل إلى حدّ ما قدرة أبو مازن على اتخاذ قرارات مهمّة، سواء في الشأن الداخلي أو على صعيد المفاوضات مع (إسرائيل).
فعلى سبيل المثال كان عرفات قد اشترط عند تشكيل الحكومة الجديدة وجود وزراء موالين له في الحكومة الجديدة أمثال عريقات وشعث وأم جهاد وحاول إبعاد دحلان لكنه لم يفلح. والجديد كان قيام عرفات بتعيين مستشارين برتبة وزراء ورفع مدير الطيران إلى رتبة وزير، ثم جعل محافظي المدن تحت مسؤوليته المباشرة.
إضافة لذلك اعتاد عرفات مؤخراً عقد اجتماع للجنة التنفيذية بعد كلّ اجتماع لمجلس الوزراء الفلسطيني لمناقشة أية قرارات يجري اتخاذها من قبل الحكومة.
وهكذا بدأت الحرب الباردة بين الرجلين، والميدان الرئيسي الذي يلعب به الطرفان للحصول على الدعم والنفوذ هو حركة فتح التي يعاني أبو مازن من ضعف تواجده وتأثيره بها، خصوصاً وأن بعض قادة فتح يأخذون عليه عدم حضوره المستمر لجلسات الحركة وتغيّبه الدائم عنها.
هجوم على أبو مازن
في ليلة السابع من شهر تموز/يوليو 2003 عُقد اجتماع في مقاطعة رام الله لأربعين عضواً في القيادة الفلسطينية، وكان من بين الحاضرين أعضاء اللجنة التنفيذية لحركة فتح وأعضاء اللجنة المركزية لها وممثلون عن التنظيمات المختلفة وكلّهم من الموالين لعرفات.
وخلال مناقشة جدول الأعمال طُرحت قضية مناقشة سياسة المفاوضات مع (إسرائيل) استعداداً للقاء أبو مازن-شارون، وطُلب من أبو مازن خلال الاجتماع تقديم تقرير عن إنجاز حكومته في المباحثات؛ خصوصاً في قضايا إطلاق سراح المعتقلين الأمنيين ورفع الحصار عن مدن الضفّة.
ولم يكد أبو مازن ينهي تقريره القصير الذي اختتمه بالقول إن الدولة العبرية ترفض تطبيق أي من تعهداتها، حتى انهال عليه سيل من الانتقادات والاتهامات خصوصاً من هاني الحسن الموالي لعرفات، الذي انتقد قيام أبو مازن بإعطاء الموافقة لوزيرين في حكومته للالتقاء بوزير العدل الإسرائيلي في شرقي القدس المحتلة، التي يمتنع حتى وزراء الخارجية الأوروبيون عن إجراء لقاءات فيها.
وسيل آخر من الاتهامات واجهه أبو مازن لتهاون حكومته في قضية المعتقلين، وآخرون انتقدوه لتجاوز مسألة حصار عرفات في مقره، أما الانتقاد الرئيسي فوُجّه إلى خطاب حكومة أبو مازن في قمة العقبة وخطابها قبيل الاجتماع الأخير بين أبو مازن وشارون، ومروراً بكيفيّة تعامل الحكومة الفلسطينية مع عدم الالتزام الإسرائيلي بخارطة الطريق.
فقد راهنت الحكومة الفلسطينية على استجابة حكومة شارون فتقدّمت كثيراً على طريق الوفاء بالالتزامات الفلسطينية في خارطة الطريق وبادرت نحو تحسين العلاقات مع حكومة شارون لدرجة تشكيل 11 لجنة فلسطينية-إسرائيلية مشتركة وقيام خمسة وزراء فلسطينيين بزيارات إلى نظرائهم الإسرائيليين في يوم واحد، وبلغ التنازل حدّ الفضيحة حين عقد أحد الاجتماعات المشتركة في القدس الشرقية بمشاركة وزيرين فلسطينيين.
هذه الانتقادات دفعت أبو مازن إلى الصمت ومغادرة القاعة والانغلاق في منزله ملوّحاً بقضية الاستقالة التي رفضها عرفات وكذلك اللجنة المركزية لفتح، وعليه شكّلت حركة فتح لجنة ثلاثية لاحتواء الخلاف بين الرجلين تضمّ كلاً من أحمد قريع (أبو علاء) رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني والدكتور صائب عريقات عضو المجلس التشريعي ونبيل عمرو وزير الإعلام الفلسطيني. وعقد أعضاء اللجنة اجتماعين منفصلين مع عرفات وأبو مازن لتسوية الأمور بينهما.
حدود عرفات وأبو مازن
لكن عرفات من جانبه لم يكن معنياً باستقالة أبو مازن في هذا الوقت بالذات -رغم تمنّيه ذلك- لتخوفه من أمرين: إذا استمع لأصوات فتح الغاضبة بإقالة أبو مازن فسيجد نفسه في مواجهة مباشرة مع واشنطن وتل أبيب والرباعية الدولية، وقد تتجرأ (إسرائيل) بالفعل على طرده خارج البلاد، والأمر الآخر هو أن عرفات لا يريد لأبو مازن أن يكون رجل المرحلة القادمة لأنه يعلم أن الإدارتين الأميركية والإسرائيلية قرّرتا أن عرفات أصبح خارج التاريخ وأنه لا مجال لعودته.
أما اللجنة المركزية ذاتها فكانت تدرك العواقب المترتبة على الاستقالة، وحتى أبو مازن نفسه لم تكن ورقة الاستقالة إلا سلاحاً يضغط من خلاله للحصول على دعم قوي من اللجنة المركزية وعرفات لسياسة الحكومة وأدائها، ولأنه يدرك أن الاستقالة تعني تحطيم قوانين اللعبة وانهيار عملية وقف اطلاق النار وخريطة الطريق والعودة إلى المواجهة مع الدولة العبرية. لذلك سعى أبو مازن للحصول على دعم اللجنة المركزية ومساندتها عبر التهديد بالاستقالة.
وأبو مازن لا يملك أيضاً إمكانية الخروج من اللجنة المركزية لحركة فتح والبقاء في منصبه كرئيس للحكومة، ففتح ولجنتها المركزية تحديداً هي التي رشّحته وكلّفته وعيّنته في هذا المنصب، بعد أن قررت أن رئيس الوزراء الأول يجب أن يكون عضواً في اللجنة المركزية. وفتح ولجنتها المركزية هي مصدر القوة الداخلي الأساسي لأبو مازن والحكومة الفلسطينية، فهي الحزب الحاكم وأغلبية أعضاء المجلس التشريعي الذي يمنح أو يحجب الثقة عن الحكومة هم أعضاء في حركة فتح، وهي حقائق يدركها أبو مازن أكثر من غيره.
واستمراراً من أبو مازن بممارسة اللعبة ذاتها فقد قاطع اجتماعاً آخر للجنة المركزية بعد أسبوع من الاجتماع الأول عقد برئاسة عرفات في مقره برام الله لمواصلة النقاش الذي جرى، كما قاطع اجتماعاً آخر للمجلس الثوري الذي وجه بدوره انتقادات شديدة لأبو مازن وخصوصاً تشكيله للّجان المشتركة التي تعطي انطباعاً للعالم بأن عملية السلام جارية، رغم أن ذلك غير موجود على الأرض، كما وجّه الانتقاد لأسلوب أبو مازن الفوقي في التعامل مع زملائه سواء في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري ولجوئه إلى محاولة فرض موقفه عبر التلويح بالاستقالة، وطلب المجلس الثوري من اللجنة المركزية وقف الوساطات التي قام بها صخر حبش وغيره من أعضاء اللجنة المركزية لإقناع أبو مازن بالعدول عن الاستقالة.
وسطاء كثر
لكن حساب المصالح تغلّب مرّة أخرى حيث نجحت الوساطات ومن ضمنها الوساطة المصرية في عقد لقاء بين الرجلين سحب أبو مازن على إثرها استقالته، واتفق فيه الطرفان على الاحتكام إلى القانون الأساسي وإلى الرجوع إلى اللجنة العليا للمفاوضات المسؤولة عن إدارة المفاوضات مع (إسرائيل)، وإلى تشكيل مجلس أمني يجمع بين وزير الدولة لشؤون الأمن وقادة الأجهزة الأمنية التي يتولى الرئيس عرفات المسؤولية عنها.
وقد تمّ الاتفاق على قيام لجنة رباعية تتكوّن من "أبو علاء" وعريقات وأكرم هنية وغسان الشكعة، للعمل على حل أي إشكال ينشأ عن تفسير القانون الأساسي.
ففي الشأن التفاوضي تمّ التأكيد على أن هناك اتفاقاً على مسؤولية اللجنة التنفيذية في الإشراف على المفاوضات، وهو ما يعني تفعيل اللجنة العليا للمفاوضات، التي تضم كلا الرجلين إضافة إلى أبو علاء وعريقات ونبيل شعث وياسر عبد ربّه وسلام فياض..
أما بشأن المجلس الأمني فقد تم الاتفاق على أن يضمّ وزير الدولة للشؤون الأمنية محمد دحلان وقائد قوات الأمن الوطني في قطاع غزّة اللواء عبد الرزاق المجايدة وقائد قوات الأمن الوطني في الضفّة الغربية العميد إسماعيل جبر وعدداً من قادة الأجهزة الأمنية إلى وزارته.
وبشأن العلاقة ما بين الرئيس ومجلس الوزراء فقد تقرّر أن يكون القانون الأساسي هو المرجعية، وأن اللجنة الرباعية ستكون الوسيط عند نشوب أي خلاف. وتقرر أن يكون وزير الإعلام نبيل عمرو حلقة الوصل ما بين مجلس الوزراء والرئيس، وبالتالي سيكلّف بعرض القضايا التي يبحثها المجلس والقرارات التي يتخذها على عرفات.
مع عرفات... مع أبو مازن
لكن المصالحة الأخيرة بين عرفات وأبو مازن لم تنه الخلافات التي استمرت واستطالت ورسخت تيارين واضحين داخل حركة فتح: ومن أبرز المؤيدين لعرفات في التيار الأول: هاني الحسن وزير الداخلية السابق وصخر حبش عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وأحمد عبد الرحمن وعباس زكي عضو اللجنة المركزية وغيرهم، أما أبرز مؤيدي أبو مازن فهم: محمد دحلان وحسن عصفور ونبيل عمرو، وانضم إليهم في المرحلة الأخيرة أقرب المقربين لعرفات أمين عام الرئاسة الفلسطينية الطيّب عبد الرحيم وغيره من الفتحاويين الذين ملّوا طريقة عرفات في إدارة الأمور وتركها معلّقة دون حسم، واعتقاده أنه "وحده مركز الكون والقضية الفلسطينية" على حدّ تعبير المصادر الفتحاوية في غزة.
وتعاظم الاستقطاب بعد إصدار عرفات مرسوماً رئاسياً في الخامس عشر من تموز/يوليو ينصّ على تعيين رئيس جهاز الأمن الوقائي في الضفّة الغربية سابقاً العقيد جبريل الرجوب مسؤولاً عن جميع المحافظين في الضفّة الغربية، وهو رسالة واضحة من عرفات إلى الوزير محمد دحلان وزير الشؤون الأمنية في وزارة الداخلية التي يرأسها محمود عباس بأن الضفّة الغربية لا ولن تخضع لسيطرة ونفوذ دحلان.
وعرفات بهذه الخطوة حجّم دحلان وأوجد تشابكاً وتداخلاً في الصلاحيات التي يتمتّع بها كلّ من دحلان وأبو مازن.
ولم تتوقف التغييرات الجديدة في هيكلية حركة فتح الداخلية على ذلك، بل تبعتها تغييرات أخرى باتت تنذر بخلافات وانقسامات حادة جديدة فيها، منها تعيين عرفات لهاني الحسن وهو أحد أقرب الشخصيات إليه وأحد خصوم أبو مازن مفوضاً عامّاً لتنظيم فتح في الضفّة الغربية وقطاع غزّة.
وأوضحت مصادر مقربة من هاني الحسن أنه شرع منذ تكليفه بالمنصب الجديد بالعمل على وضع هيكلية جديدة للحركة وعمل على تعيين نائبين له في محافظات غزة والضفة الغربية.
وقدرت المصادر أن يتم اللجوء إلى إلغاء ما يسمى اللجنة الحركية العليا لحركة فتح ومرجعية حركة فتح والعديد من المؤسّسات التابعة لفتح، وحصرها فيما يسمّى "المفوضية العليا للتنظيم والإدارة" والتي ستضم داخلها كافّة هذه المؤسّسات.
ورجّحت المصادر ذاتها أن يشمل التغيير أمناء سر حركة فتح في كافّة المحافظات، الأمر الذي قد يؤدى إلى استثناء بعض القيادات ويخلق حالة من الصراع داخل تنظيم حركة فتح مع العلم أن مصادر أكّدت أن عرفات رصد مبلغ ستّة ملايين دولار لإعادة هيكلة وترتيب تنظيم فتح.
وبالمقابل عمد عباس عبر الأجهزة الأمنية التابعة له إلى محاولة استقطاب قيادات فتح الميدانيين لصالحه، وذلك من خلال عرض الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية على المقاتلين والمطاردين من كتائب شهداء الأقصى الذراع العسكري لحركة فتح وظائف جديدة فيها مقابل تخلّيهم عن العمل المقاوم.
وبدأ هذه المهمة جهاز المخابرات العامة الذي يتزعّمه توفيق الطيراوي في الضفة الغربية وهو صاحب العرض المغري على هؤلاء المطاردين، ويتضمّن العرض إضافة إلى تخلي هؤلاء المطاردين عن سلاحهم والانخراط في صفوف الأجهزة الأمنية منحهم رتبة ضابط فما فوق ومكافأة مالية مغرية.
وهذا العرض فضحته "كتائب الأقصى" في أكثر من بيان ووجّهت تهديدات لعباس وأنذرته من مغبة الاستمرار بهذه الخطوة، وأعطت ولاءها الكامل لعرفات وهو الأمر الذي أثار حفيظة عباس.
أداء سياسي غامض
ومن خلال الاستعراض السابق لعمق الأزمة الداخلية الفلسطينية التي تتشابك خيوطها يوماً بعد يوم، يمكن القول إن الخلافات التي برزت داخل فتح خاصة في إطار اللجنة المركزية لا تبدو بريئة، أي أنها لا تتعلّق فقط بمواقف الحركة من قضايا التفاوض، بل هي في حقيقة الأمر تتجاوز ذلك إلى محاولة تصفية حسابات خارج إطار المصلحة العامّة، وهو الأمر الذي سينعكس سلباً ليس فقط على فتح وإنما على الشارع الفلسطيني برمّته بسبب التداعيات التي يمكن أن تنشأ جرّاء ما يحدث.
ويبقى السؤال أين تقف المصالح الفلسطينية العليا من كلّ ما يحدث؟؟



خلاف بين مرافقي عرفات ودحلان
كاد يتحوّل اشتباكاً

قالت مصادر فلسطينية مطّلعة أن خلافاً حاداً حصل بين مرافقي وزير الأمن الداخلي الفلسطيني محمد دحلان وحرس رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في مقرّ المقاطعة في رام الله، وكاد أن يتحوّل إلى اشتباك مسلّح وعنيف.
وقالت المصادر التي كانت شاهدة على الحدث إن العقيد دحلان وأثناء زيارته للمقاطعة لمقابلة عرفات أمر حرّاسه ومرافقيه الشخصيين بالدخول معه إلى داخل المقرّ، غير أن القوة المكلّفة بحماية رئيس السلطة الفلسطينية منعتهم من ذلك، ما أدى إلى تلاسن واستنفار متبادل.
وتشير الرواية إلى أن دحلان حرّض مرافقيه على التصدي لرجال عرفات الأمر الذي كاد يتسبّب باشتباك مسلّح بين الجانبين، منع حصوله نزول أبو علاء أحمد قريع رئيس المجلس التشريعي التابع للسلطة للفصل بين الجانبين، وإنهاء المشادّة. وتوصّل أبو علاء إلى تفاهم قضى بصعود دحلان لمقابلة عرفات منفرداً.
المصادر قالت إنها لا تعرف السبب الذي دفع دحلان لاصطحاب مرافقيه معه إلى الطوابق العليا حيث يقيم عرفات، مع العلم أن العادة جرت على غير ذلك وأن دحلان كان يقابل رئيس السلطة الفلسطينية منفرداً، وهذا ما درجت عليه كلّ القيادات الفلسطينية التي تزور مقرّ المقاطعة. إذ يكتفي المرافقون بالوصول إلى أبواب المقرّ أو الانتظار في السيارات، بينما يتولّى مرافقو عرفات اصطحاب الضيف إلى مكتب أبو عمار.
لكن الأوساط الفلسطينية تعتقد أن هذا الإشكال ناتج عن المشاكل والخلافات الحاصلة بين القيادات الفلسطينية والتي تتصاعد وتتطوّر كلّ يوم، لدرجة أنها نزلت إلى الحراس والمرافقين، على ضوء أن كلّ جانب بات يتخوّف من انقلاب الآخر عليه.




القيادي في فتح صخر حبش: نحاسب أبو مازن
من جهته اعتبر صخر حبش؛ عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمقرب من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، أن الخلاف بين عرفات ومحمود عباس "خلاف في وجهات النظر وانتهى".
وأضاف "عندما يقوم الأخ أبو مازن بعمل نوجّهه إلى الصحيح وننبّهه إلى الخطأ، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، والخلاف الأخير لم يكن معّداً، واستقالته كانت ناتجة عن سوء التفاهم الذي لا يحتاج إلى قرار الاستقالة".
وقال: الاستقالة كانت هروباً نتيجة معاملة شارون السيئة للأخ أبو مازن الذي يحاول إسقاطه، ويريده أن يصبح صقراً يكسر بيضه، ويريد حرباً أهلية، وأبو مازن يربأ بنفسه أن يمارس دوراً تنزل فيه قطرة دم.
وعما إذا رأت اللجنة المركزية أن محمود عباس يحاول سحب البساط من تحت عرفات قال حبش: رئيس الوزراء فرضته اللجنة المركزية، وبالتالي تحاول توجيهه، وهو مسؤول أمامها قبل أن يكون مسؤولاً أمام أية جهة أخرى. كما أن الذي فرض رئيس الوزراء هو الأخ أبو عمار، واختياره من بين عدة شخصيات كانت مرشحة لذلك.
أضاف: "الشرط الأساسي في رئيس الوزراء أن يكون عضواً في اللجنة المركزية، وأبو مازن أعلى مرتبة في اللجنة موجود داخل الوطن الآن".
ويعتقد حبش أنه يجب "حماية أبو مازن في ظروفه الصعبة ويجب مساعدته" مشدداً على وجوب حلّ الخلافات داخلياً دون تدخلات من الخارج.
ونفى حبش أن تكون زيارة اللواء عمر سليمان هي بهدف التقريب بين وجهات النظر، قائلاً إن الهدف منها هو نقل رسالة لعرفات من الرئيس المصري حسني مبارك.
وتابع: لا ننكر أخطاء الأخ أبو مازن وكان لنا مواقف منها ونحن نحاسب الأخ أبو مازن وأنفسنا على نتائج العمل الذي نعمله.
وحول طبيعة التغييرات التي ستشهدها حركة فتح بعد تعيين هاني الحسن مفوضاً عاماً للحركة قال: ليس هناك إعادة هيكلة، هناك هيكل واحد مبني على نظام أساسي ثابت وليس من حق أحد أن يغيّره إلا بانعقاد المؤتمر العام. أما ما يجري فهو عبارة عن تغيير مواقع الإخوة وهم ليسوا مخلّدين فيها وإنما يتداولون المواقع.
أضاف: نحن بحاجة لعقد مؤتمر عام للحركة، ولكن من الصعب القول إنه يمكن عمل مؤتمر في ظل الانتفاضة، لأن كثيراً من القادة داخل السجون، وقوات الاحتلال تقطع أواصر المدن الفلسطينية.



وزير الزراعة رفيق النتشة:
نحن بحاجة لعقد مؤتمر عام للحركة

أكّد وزير الزراعة الفلسطيني في حكومة أبو مازن، وعضو اللجنة المركزية في فتح رفيق النتشة أن "هناك اقتراحات ومساعي حثيثة داخل حركة فتح لإعادة هيكلتها والنهوض بمؤسّساتها" مؤكّداً أن أساس الخلاف بين عرفات وأبو مازن هو "التعديل الدستوري الذي يوزّع الصلاحيات بين الرئيس ورئيس الوزراء".
لكنه قال في حديث خاص إن "رئيس الوزراء الفلسطيني لا يلتقي أحداً إلا بمعرفة الرئيس عرفات الذي يطّلع فوراً على النتائج".
وأضاف: حركة فتح دائماً تقيّم أداءها وإنجازاتها وأخطاءها، ويتيح الجو الديمقراطي في الحركة للأعضاء أن يقدّموا اقتراحاتهم، ولكل عضو أن يحدّث عن وجهة نظره في إعادة هيكلة الحركة والتنظيم، وتتم دراسة كافة المستجدات في الأطر الفتحاوية، لكن هناك من تكون له تقديرات أو وجهات نظر لا علاقة لها بالواقع. ومع ذلك نؤكّد أنه حينما يُتخذ القرار في الأطر الرسمية لإعادة النظر في أي موضوع من المواضيع الداخلية فليس من حق أحد الطعن، وله الحق في أن يتحدّث عما يريد بشكل ديمقراطي.
ورفض النتشة الحديث عن حجم المبالغ التي رُصدت لإعادة هيكلة الحركة وقال: بخصوص المبالغ المرصودة فليس هناك شيئ رسمي، هناك من يقول إنها بحاجة لستّة ملايين دولار.
وأكّد النتشة استمرار الخلاف في وجهات النظر بين رئيس الوزراء ورئيس الدولة وقال إنها "تتعلّق غالباً بالمصلحة العامّة وأسلوب العمل، والتجربة الفلسطينية هي المرّة الأولى وبالتالي لا بد أن يتخلّلها بعض الحساسيات والمشاكل".
واعتبر النتشة أن المشكلة "داخلية في حركة فتح وتم تفهمها بشكل كامل، لا يوجد خلاف سياسي مطلقاً، كما أن أصل الخلاف ينبع من مبدأ واحد يتعلق بتفسير التعديل الذي حصل على القانون الأساسي والذي بموجبه أصبحت هناك صلاحيات لرئيس مجلس الوزراء، كما أن هناك بعض الأمور التي استوجبت النقاش والاستفسار القانوني عن تبعيتها للرئيس أو مجلس الوزراء، والمرجعية في هذا هو المجلس التشريعي وأفتى في هذا الموضوع وانتهت الأمور. وتم التوصل لحل الخلاف".
وعن الخلاف بين كتائب الأقصى وقيادة فتح والسلطة قال: ليس بالضرورة أن كلّ ما يصدر باسم أي تنظيم هو فعلاً باسمه، وفتح لها قيادة رسمية واحدة هي المعنية بإصدار السياسات، كما أن هناك إجماعاً وطنياً تشارك فيه فتح والسلطة على إعطاء وقت للهدنة، وهذا ينم عن مسؤولية وطنية وعن وعي حضاري للشعب الفلسطيني في كيفية الوقوف أمام الأزمات.


 
 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003