|
فلسطين/إبراهيم
السعيد
تعتبر الحكومة الإسرائيلية أن إعلان قوى المقاومة وقف العمليات بشكل مؤقّت هو
خطوة تكتيكية لابتزاز المجتمع الصهيوني. ويقول الوزير داني نافيه:
"علينا أن نحذر هذا الكمين الخطير، مبادرة حماس لإعلان تعليق العمليات المسلحة،
هو أخطر مناورة تقدم عليها الحركة منذ انطلاقها، إنها تخطط لأخذ قسط من الوقت
لكي تعيد ترتيب نفسها بشكل يؤدّي إلى تمكينها بعد ذلك من توجيه ضربات قوية لنا
في الوقت وفي المكان الذي لم نحتسب له". وحسب نافيه فإن كلاً من الحكومة
الصهيونية والإدارة الأميركية فشلتا في خلق واقع يؤدّي إلى القضاء على البنية
التحتية العسكرية لحركة حماس، وهو الهدف الذي يرى أنه يجب أن يكون تحقيقه على
رأس سلّم الأولويات للحكومة الصهيونية والمؤسّسة الأمنية التابعة لأمرتها.
ولم يكن نافيه وحده الذي رأى في مبادرة حماس خديعة، فقد اعتبر العديد من الساسة
والمعلّقين الصهاينة إعلان حركتي حماس والجهاد تعليق عمليات المقاومة بأنه دليل
على أن حركة حماس حقّقت نصراً كبيراً في المواجهة الحالية. وقال الجنرال إيفي
إيتام وزير الإسكان الصهيوني ورئيس حزب "المفدال" الديني الصهيوني المشارك في
الحكومة الصهيونية أن التجربة دلّت على أن حماس تتحكّم بقرار الحرب وتجميد
العمل المسلح، مشدداً على أن حماس فرضت على الجميع أجندتها الخاصّة دون أن يكون
لأحد القدرة على التأثير على أجندتها. وأضاف إيتام الذي كان يتحدّث أمام عدد من
الصحافيين أن إعلان حركتي حماس والجهاد هو "ضربة معلّم".
حماس تتحكّم بالمواجهة
من ناحيته اعتبر أفيغدور ليبرمان وزير المواصلات الصهيوني وزعيم حزب الاتحاد
الوطني المتطرف أن حكومة أرييل شارون تراجعت وتنازلت عن الكثير من مواقفها
وبثّت للجمهور اليهودي ضعفاً غير مسبوق، وأن مثل هذا الضعف يمكن أن يقود حماس
إلى مزيد من الجسارة في عملياتها ضدّ الدولة العبريّة مستقبلاً. إلى ذلك قال
وزير الأمن الصهيوني تساحي هنغبي إن "حركة حماس قد حقّقت إنجازات عدّة وأصابت
عدّة عصافير بحجر واحد. فمن ناحية فرضت وقف إطلاق نار بشروطها، ومن ناحية ثانية
واصلت الاحتفاظ بكل قوّتها". ونفى هنغبي أن تكون حركة حماس مستعدة للموافقة على
أن يتم تفكيك بنيتها المقاومة على الإطلاق، قائلا إن هذه الحركة نجحت في فرض
إرادتها على الجميع. وتوقّع هنغبي أن تقوم حماس باستغلال اتفاق وقف إطلاق النار
من أجل العمل على تعاظم قوّتها الأمنية والعسكرية والتنظيمية والسياسية، وبذلك
تكون الدولة العبريّة قد خسرت المزيد من النقاط الاستراتيجية الهامة.
أما المعلّق ران إديليس، فقد دعا حكومة شارون إلى التعلّم من أداء حركة حماس
التي وصفها بأنها حركة براغماتية ذات مقدرة على استقراء الواقع بشكل كبير.
واعتبر إديليس أن عودة حماس إلى العمليات المسلحة بكافّة أشكالها هي مسألة وقت
ليس إلا. أضاف "هناك جيش من الأغبياء يديرون مؤسّساتنا الأمنية والسياسية
يصوّرون الأمور على غير حقيقتها ويعتبرون أن حماس يمكن أن تختفي عن الساحة،
ناسين أنه لو لم تكن حركة حماس موجودة فستنطلق حركة أخرى مماثلة لها، لأن
انطلاق حماس مرتبط بوجود احتلال يرفض الشعب الفلسطيني القبول به والتعايش معه".
استدراج السلطة للحرب الأهلية
"عليكم أن تثبتوا لنا نواياكم الحسنة، عليكم أن تصطنعوا أزمة مع حماس، كأن
تتذرعوا بمحاولة اعتقال عدد من نشطائهم، وبعد ذلك تقومون بقتل خمسين من عناصر
حماس العسكريين، مثل هذه الخطوة يمكن أن تعتبر دليلاً لنا على أنكم جادّين في
التعاطي مع خطة "خارطة الطريق" بشكل جدي"، هذا ما قاله مسؤول أمني أرسله شارون
إلى محمد دحلان في أعقاب اجتماعه مع رئيس وزراء السلطة مستفسراً منه عن خططه
الأمنية لمواجهة حركة حماس، وهذه الأقوال قامت العديد من وسائل الإعلام
الصهيونية باقتباسها وإيرادها، لم تورد وسائل الإعلام الصهيونية ردّ دحلان على
هذا العرض، لكن على كل الأحوال فإن هذا يثبت أن الجانب الصهيوني يحاول بكل ما
أوتي من طاقة استدراج السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية لتقوم بمحاولة ضرب
حركة حماس. هذا العرض تكرّر أكثر من مرّة بعد إعلان حركة حماس عن مبادرة تعليق
العمليات المسلحة، هذا العرض تمّ تغليفه بضغوط وإغراءات محدّدة. ففي ظهور
إعلامي نادر جداً صرّح آفي ديختر رئيس جهاز المخابرات الصهيونية الداخلية
"الشاباك" أن الحكومة الصهيونية لن تقوم بتحويل الصلاحيات في المدن الفلسطينية
المحتلة في الضفّة الغربية لحكومة أبو مازن في حال لم تقم السلطة الفلسطينية
بحملة واسعة وجدية لاجتثاث حركة حماس وتفكيك بنيتها التنظيمة والعسكرية. ديختر
وضع معايير للقضاء على البنية العسكرية لحركة حماس منها: جمع أسلحة الحركة
واعتقال نشطاء الجهاز العسكري إلى غير ذلك من الشروط التي تعني دفع المجتمع
الفلسطيني إلى أتون حرب أهلية طاحنة تخرج الدولة العبرية منها رابحة. إلى جانب
ذلك فإن هناك من كبار الجنرالات من شرع في توجيه النصائح لقادة أجهزة الأمن
التابعة للسلطة حول كيفية مواجهة حركة حماس واستدراجها، حيث هناك من نصح حكومة
أبو مازن بما أسموه "مواجهة تدريجية" مع حركة حماس. إلى جانب ذلك فإن هناك
الكثير من المغريات التي يشير إليها الصهاينة من أجل دفع حكومة أبو مازن
لمواجهة حماس، عبر تسهيلات شخصية لكبار قادة السلطة. فحسب نصيحة قائد كبير في
جهاز المخابرات، فإن على الدولة العبريّة أن تكثف استخدام "المكافآت الشخصية
والخاصّة" في دفع مسؤولي السلطة إلى المربع الذي ترغب فيه الدولة العبريّة.
هنا علينا أن نتذكر أمراً وهو أنه على الرغم من وجود العديد من التنظيمات
الفلسطينية، إلا أن كلاً من (إسرائيل) والإدارة الأميركية تحثّ السلطة على ضرب
حركة حماس بشكل خاص. في هذا السياق يجب علينا أن نشير إلى الدور الواضح الذي
تلعبه الإدارة الأميركية في التحريض على حركة حماس. السفير الأميركي في تل أبيب
لم يتردّد في توجيه إهانات لاذعة لمحمود عباس على خلفية الموقف من حركة حماس.
فقد وصف السفير دان كيرتسير (وهو يهودي أرثوذكسي) في لقاء مع عدد من كبار
الحاخامات اليهود في القدس المحتلة أبو مازن بأنه رجل ضعيف ولا يثير الانطباع
ولذا لا يمكن لأحد أن يعتمد عليه في توجيه ضربات لحركة حماس. الأميركيون
والصهاينة يربطون بشكل واضح بين جدية حكومة أبو مازن وبين استعدادها لضرب حركة
حماس .
الشارع الصهيوني لشارون: تشبث بالهدنة
من المفارقات أنه من الأمور الأكثر إزعاجاً لشارون هو حقيقة ترحيب الرأي العام
الصهيوني بالهدنة بشكل لفت الأنظار. فقد استبشر الصهاينة بتعليق العمليات
العسكرية. الكثيرون من أصحاب المرافق التجارية والمالية بشكل خاص أعربوا عن
سعادتهم البالغة، فكثيرون قاموا بالتنازل عن خدمات شركات الحراسة التي تبتز
منهم أموالاً ضخمة وهائلة، تعليق العمليات المسلحة أثّر بشكل كبير على المرافق
الاقتصادية. هنا يتوجب أن نضرب مثالاً على تأثير العمل المسلح على المرافق
الاقتصادية، فعندما تبيّن أن عملية التفجير التي حدثت في مستوطنة "كفار دعبتس"
أنها عملية استشهادية نفّذها احد مجاهدي "سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة
الجهاد الإسلامي، هبطت الأسهم في بورصة تل أبيب للأوراق المالية بشكل كبير، على
الرغم من أنها كانت قبل أربع وعشرين ساعة في ارتفاع مطرد. الصهاينة أخذوا
ينطلقون إلى الرحلات السياحية والتجوال وهم يعون أن ما يتمتعون به الآن لا يمكن
أن يستمر في حال ظلّت حكومة شارون تواصل رفض شروط حركة حماس لمواصلة الالتزام
بالهدنة وعلى رأسها إطلاق سراح الأسرى من السجون الصهيونية. من هنا جاءت
الدعوات من كل حدب وصوب مطالبة بالإفراج عن الأسرى وإنجاح مشروع المبادرة.
شارون ليس بإمكانه تجاهل مشاعر الرأي العام الصهيوني من ناحية منطقية، على كل
الأحوال فإن هناك انطباعاً صهيونياً جماهيرياً يقول إنه يجب عدم تفويت هذه
الفرصة.
المجتمع الصهيوني وهروب المستوطنين
نظّمت الحكومة الإسرائيلية احتفالاً مميزاً لثلاثمائة مستوطن صهيوني جديد وصلوا
إلى فلسطين المحتلة. وكان اللافت المظاهر الاحتفالية والتغطية الإعلامية للحدث.
وذلك ليس لأن المستوطنين قدموا من أميركا الشمالية فحسب، بل لأن انخفاضاً حاداً
بدأ يطرأ على استقدام المستوطنين الصهاينة من الخارج، رغم الجهود التي تبذلها
الحكومة الصهيونية لإغراء يهود الخارج بالقدوم إلى فلسطين.
وكانت الانتفاضة الفلسطينية وعمليات المقاومة قد أدّت إلى خفض نسبة اليهود
القادمين إلى فلسطين المحتلة. لذلك خاطب الوزير الصهيوني الثلاثمائة مستوطن
القادمين بالقول: "إسرائيل ليست أيسر بلد للعيش.. هذا هو وطنكم".
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد وضعت خطّة لاستقطاب مليون مستوطن يهودي خلال
السنوات العشر الماضية، بسبب تنامي الهجرة العكسية من (إسرائيل). وفي دراسة
إسرائيلية نشرت مؤخراً تبين أن أكثر من 650 ألف إسرائيلي، أي عُشْر عدد سكان
(إسرائيل)، يعيشون في الخارج. وقالت الدراسة التي أجرتها وزارة الخارجية
الإسرائيلية وأُنجزت من قبل القنصليات الإسرائيلية في الخارج إن الغالبية من
هؤلاء أي أكثر من نصف مليون شخص يعيشون في الولايات المتحدة. وأضافت أن نحو 115
ألفاً يعيشون في نيويورك و115 ألفاً يعيشون في لوس أنجيليس، فيما يقيم عدد كبير
في كلّ من ميامي وسان فرانسيسكو وفيلادلفيا. ويبلغ عدد سكان (إسرائيل) 6.7
ملايين نسمة.
وقالت دراسة وزارة الخارجية إن القسم الأكبر من الـ650 ألفاً هم من المهاجرين
الدائمين. وعرّفت الدراسة هذه الفئة بأنهم أناس يعيشون مع عائلاتهم في الخارج
منذ أربع سنوات على الأقل. وأشارت الدراسة إلى أن أسباب الهجرة تمثّلت في الوضع
الأمني وقلّة فرص العمل.
وفي مؤشّر واضح على عدم ارتباط الصهيوني بالأرض التي يستوطنها، أظهر استطلاع
للرأي أن غالبية المستوطنين اليهود الذين يقيمون في الأراضي التي احتلتها
(إسرائيل) في حرب 1967 أعربوا عن استعدادهم لترك مستوطناتهم من أجل السلام مع
الفلسطينيين إذا حصلوا على تعويض مناسب.
وكشف الاستطلاع أن أكثر من 90% من المستوطنين لن يتجاوزوا القانون كرد فعل على
قرار الإخلاء. وسيوافق 83% منهم على ترك مناطق الضفّة الغربية وقطاع غزّة مقابل
الحصول على تعويضات مالية، بينما يرغب 29% منهم –لو استطاعوا- بترك مستوطناتهم
في الحال.
وشمل الاستطلاع 644 عائلة تقطن في مستوطنات أقيمت في أنحاء مختلفة من الضفة
الغربية وقطاع غزّة. وحسب الاستطلاع، فإن واحداً في المئة من المستوطنين
سيستخدمون وسائل العنف إذا ما اتخذ قرار الإخلاء، وسيقاوم 54% مثل هذا القرار
بشكل قانوني، بينما سيمتثل 36% للقرار من دون أيّة معارضة. وأعرب 74% من
المشاركين في الاستطلاع عن اعتقادهم بأن على (إسرائيل) منح المستوطنين تعويضات
مالية وتمكينهم من اختيار الحل المناسب لهم بشكل ذاتي.
ويبيّن الاستطلاع أن 71% يفضلون العيش في مكان سكناهم، ويفضل 14% نقل مكان
سكناهم إلى مكان آخر، بينما يفضل 15% ترك (إسرائيل) فوراً والانتقال للعيش في
دولة أخرى. ويظن أكثر من نصف المستوطنين (64%) أن الحكومة هي الجهة الوحيدة
المخوّلة باتخاذ قرار الإخلاء، بينما يعتمد 26% منهم على الحاخامية الكبرى.
|