|
دحلان يعيد بناء الأجهزة الأمنية لتنفيذ خارطة
الطريق:
شروط ضمّ العناصر الجديدة: عدم الانتماء لأي تنظيم وموافقة المخابرات
الإسرائيلية
فلسطين/خاص
لم يكن قرار اللجنة التنفيذية لمنظّمة التحرير الفلسطينية قبل نحو ثلاثة عشر
شهراً بإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية لتصبح أربعة أجهزة فقط، استجابة لمطلب
فلسطيني وشعبي طالما نودي به، بل جاء نتيجة ضغوطات و"رغبات" غربية من اللجنة
الرباعية والولايات المتحدة الأميركية وبمباركة عربية.
ورغم قناعة السلطة الفلسطينية ذاتها بوجود الفوضى والمحسوبيات في أجهزتها
الأمنية قبل الاجتياحات الإسرائيلية، إلا أن قراراً من هذا النوع لم يُتخذ إلا
عندما كانت السلطة في أوج ضعفها بعد الاجتياح، وبات الفلسطينيون بعدها على
قناعة بأن أمورهم الداخلية أصبحت تدار من الخارج وأصبحت قيادة السلطة مجرّد
أداة للتنفيذ.
ويتساءل الفلسطينيون: لماذا لم تتم الإصلاحات الأمنية وإعادة هيكلة الأجهزة
الفلسطينية من الداخل؟ وما هو هدف هذه التغييرات في هذا الوقت بالذات؟!
التشكيلة الحالية
كان الرابع من حزيران/يونيو من العام الماضي قد شهد صدور قرار من اللجنة
التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عقب اجتماعها برئاسة رئيس السلطة
الفلسطينية ياسر عرفات، نصّ على أن يرأس عرفات الأجهزة الأمنية الفلسطينية في
ثوبها الجديد المكون من أربعة أجهزة رئيسية هي: الأمن الوقائي، الأمن الوطني،
المخابرات، الشرطة، بعد أن كانت تسعة أجهزة هي: الأمن الوطني، أمن الرئاسة
(قوات17)، الشرطة الخاصّة، الشرطة المدنية، الوحدات الخاصّة، الاستخبارات،
الأمن الوقائي، المخابرات العامّة، سلاح البحرية.
كما تَقرّر في حينه أن يتولى عبد الرزاق اليحيى رئاسة الهيئة الأمنية العليا
المشرفة على التشكيلة الجديدة المكونة من أربعة أجهزة فقط بعد أن كانت تسعة،
لكن هذا الترتيب لم يدم طويلاً رغم بقاء التشكيلة كما هي.
وقد جاءت هذه التغييرات في أعقاب اجتماع مدير وكالة الاستخبارات الأميركية
(جورج تينيت) مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، حيث بحث معه سبل منع
العمليات الاستشهادية وبرنامج إصلاح أجهزة الأمن الفلسطينية.
ثم شهدت أجهزة السلطة بعد ذلك تغييرات متلاحقة منها تعيين هاني الحسن وزيراً
للداخلية خلفاً لعبد الرزاق اليحيى، الذي عيّن بدوره زهير مناصرة رئيساً لجهاز
الأمن الوقائي في الضفّة الغريبة، ثم تمّ إقرار منصب رئيس الوزراء الفلسطيني
وتولّي محمود عباس (أبو مازن) رئاسة الوزراء، واستحداث منصب وزير الأمن الداخلي
الذي ترأسه محمد دحلان، رئيس جهاز الأمن الوقائي سابقاً في غزّة، بدل منصب وزير
الداخلية الذي أثار جدلاً في أوساط السلطة وأثار غضب عرفات الذي رفض تولي دحلان
هذا المنصب.
وكان من باكورة تصريحات محمود عباس (أبو مازن) بعد توليه رئاسة الوزراء هو أن
كرّر تصريحاته التي عُرف بها ورفضه "للعنف وتأييده الانتفاضة السلميّة ونيّته
جمع الأسلحة غير المشروعة" مما أثار ترحيب المسؤولين الإسرائيليين، وغضب الشعب
والفصائل الفلسطينية.
اختلاف في الولاء
ومن حيث الولاء تباينت مواقف رؤساء الأجهزة الأمنية، وانقسمت إلى قسمين اثنين
منها تحت مسؤولية وزير الأمن الداخلي الحالي محمد دحلان، هما: جهاز الشرطة الذي
يتولاه الحاج إسماعيل جبر ويختص بالأمن الداخلي. ويضم هذا الجهاز الوحدات
الخاصّة والمباحث الجنائية وشرطة المرور والدفاع المدني وجهاز مكافحة الشغب
وحفظ النظام.
أما الجهاز الثاني فهو الأمن الوقائي وله رئيسان حالياً في الضفّة الغربية
وقطاع غزّة هما: زياد هب الريح في الضفّة ورشيد أبو شباك في غزّة. ويتولى هذا
الجهاز مسؤولية الأمن الداخلي وأصبح يشكّل القوّة التنفيذية لكافّة الأجهزة
ويقوم بعمل الشرطي إلى جانب العمل الأمني المحلي، كما يختص هذا الجهاز في منح
التراخيص للفعاليات والمسيرات والاعتصامات والمهرجانات وغيرها.
أما الجهازان الآخران وهما جهاز المخابرات العامّة وجهاز الأمن الوطني وهما
مواليان لعرفات وتحت إمرته مباشرة. وظلّ يترأس الجهاز الأول (المخابرات) رئيسه
السابق توفيق الطيراوي، وتنحصر مسؤولياته في الأمن الخارجي وحماية السفارات
والممثليات الفلسطينية في الخارج، إضافة إلى حفظ أمن الدولة والأمن العام وجمع
المعلومات ومكافحة العملاء.
والجهاز الثاني هو جهاز الأمن الوطني وألحق به جهاز البحرية وجهاز الاستخبارات
العسكرية وحرس الرئاسة (قوات 17)، وتشمل مهماته حراسة الحدود ومداخل المدن
الفلسطينية والمعابر.
توترات
ولم تخل الحكومة الفلسطينية الجديدة من خلافات وصلت إلى حد القطيعة بين بعض
الأطراف، كما شهدت توتراً بين رئيس الوزراء ورئيس السلطة بسبب إقصاء الأول لعدد
كبير من أنصار الأخير في التشكيلة الحكومية بينهم هاني الحسن، ومحاولة محمود
عباس تعيين محمد دحلان وزيراً للداخلية، مما يعني عملياً إخراج كافّة الصلاحيات
المتعلقة بأجهزة الأمن من يدي عرفات.
وهدد رئيس الوزراء نفسه عدّة مرات بالاستقالة من رئاسة الحكومة، كما هدد أخيراً
بالاستقالة من اللجنة المركزية لحركة فتح، إلا أن طلبه رفض. وعلم لاحقًا أن سبب
الخلاف هو الضغط الذي مارسته الحركة على (أبو مازن) بسبب عدم تنفيذه لوعوده
التي قطعها على نفسه ومنها الإفراج عن الأسرى.
هدف التغيير
ورغم تأكيد السلطة الفلسطينية على لسان الأمين العام لمجلس الوزراء الفلسطيني
أحمد عبد الرحمن أن الهدف من التغييرات والتشكيلات الأمنية الجديدة هو "إجراء
إصلاحات في هياكلها من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني" ورغم نفيه "لوجود أي تدخل من
قبل المبعوث الأميركي جورج تينيت في الشؤون الداخلية الفلسطينية" إلا أن وقت
التغيير ومضامينه تثبت عكس ذلك، حيث أشارت مصادر فلسطينية أخرى في حينه أن مهمة
تينيت "تتركّز حول إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية والاستماع إلى وجهة
نظر (إسرائيل) بهذا الشأن".
واعتبرت الفصائل الفلسطينية أن هذا التغيير ناتج عن ضغوطات وتدخلات خارجية وليس
من البيت الفلسطيني الداخلي، مؤكدة على أن الهدف لأي تغيير يجب أن يكون نابعاً
من البيت الفلسطيني ولتحقيق المصلحة الفلسطينية.
استقالة مناصرة
ولم تمض شهور قليلة على تشكيل الحكومة الفلسطينية بعد مخاض طويل حتى قدّم زهير
مناصرة رئيس جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية استقالته لرئيس الوزراء
الفلسطيني.
وأكّد مقرّبون منه أن سبب الاستقالة عدم قبوله في أن يكون في منصب أقلّ من
دحلان أو تحت إمرته. لكن مصادر أخرى ذكرت أن المناصرة قدّم استقالته بعد أن فهم
من أبو مازن ودحلان أنهما غير معنيين باستمراره في منصبه ثم عُيّن هب الريح
مكانه.
ويبدو أن النية متجهة الآن إلى تشكيل قيادة موحدة للجهاز في الضفّة الغربية
وقطاع غزّة تحت مسؤولية رئيس الأمن الوقائي في غزة حالياً رشيد أبو شباك.
انتقاء العناصر
ولوحظ في مختلف المدن الفلسطينية أن "عدم الانتماء" و"رضا الاحتلال" شرطان
أساسيان لقبول أي عنصر جديد في الأجهزة الأمنية. كما لوحظ أن عدداً من الذين تم
تفريغهم في جهاز الأمن الوقائي مؤخراً هم فعلاً مجرّدون من الانتماء إلى الوطن
والدين والأخلاق والقيم وحتى العادات والتقاليد، بل من الساقطين أخلاقياً وذوي
السوابق الذين ملأت السلطة ملفاتهم خلال السنوات الماضية بالمخالفات الأخلاقية
والدينية والسياسية، بل إن عدداً منهم معروفون بتعاونهم مع المخابرات
الصهيونية، إضافة إلى تبرؤ عائلاتهم منهم وإهدار دم بعضهم.
وحسب مراقبين فإن دور هؤلاء سيكون هو "تعزيز الرذيلة" مقابل "محاربة الفضيلة"،
حيث أن هؤلاء بصفتهم مجردين من أي رادع ديني ووطني وأخلاقي وقيمي يمكنهم فعل أي
شيء واعتقال أي إنسان وتعذيب أي شخص دون رقيب.
دورات للأجهزة الأمنية
في ذات السياق تتواصل الدورات التدريبية لعناصر الأجهزة الأمنية في غزّة ورام
الله وأريحا. كما سيتم البدء قريباً في دورة تنشيطية لجميع أفراد الأجهزة
الأمنية تستمر 45 يوماً متواصلة تحت عنوان" دورة لردع الإرهاب"، وستضم نحو 300
عنصر من الأجهزة الأمنية المختلفة.
ولم تخل الشهور الثلاث عشر الماضية من وجود مدرّبين مصريين وأردنيين وحتى
أميركيين، تواجدوا في الأراضي الفلسطينية على فترات في كلّ من أريحا ورام الله
وغزّة لتدريب أجهزة السلطة الفلسطينية على مكافحة "الإرهاب".
ورغم ادعاء السلطة أن التدريبات "روتينية للحفاظ على لياقة عناصر الأجهزة
الأمنية" إلا أن المعارضة الفلسطينية متخوّفة من أن تؤدّي آلية التدريب إلى
مرحلة الصدام مع السلطة رغم تأكيد الجميع على حرمة الدم الفلسطيني.
ومما يثير التخوّفات من دور هذه الأجهزة مستقبلاً وخاصّة جهاز "قوات الأمن
الخاصّة" هو محاولة خلع المتدرّبين من أي ضمير وأية شفقة والتعامل معهم بطريقة
لا إنسانية قاسية وألفاظ نابية، إضافة إلى نزع حبّ الوطن من صدورهم وإجبارهم
على التفوّه بألفاظ نابية تجاه أنفسهم.
وستتوجّه هذه الأجهزة وخاصّة جهاز قوات الأمن الخاصّة حسب المؤشّرات إلى محاربة
الفصائل الفلسطينية المعارضة وهي حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي والجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين التي لا تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية إضافة إلى محاربة
الجناح العسكري لحركة فتح كتائب شهداء الأقصى.
السلطة: لا أجهزة جديدة
ونفى رشيد أبو شباك، رئيس جهاز الأمن الوقائي في غزة وجود أجهزة أمنية جديدة،
موضحاً أن ما تم هو إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية. لكنه أضاف: قد يكون المقصود
هو جهاز حفظ النظام الملحق بوزارة الداخلية، وهذا الجهاز ألحق بالداخلية بغرض
الحفاظ على النظام وإلغاء تعددية القرارات، البعض يحاول أن يحلّل بأن التدريبات
الجارية تستعد لقمع المواطنين الفلسطينيين، لكن الأمر عكس ذلك، فعندما يتم
الانسحاب الإسرائيلي فمن الطبيعي جداً أن نتسلّم هذه المناطق وأن نمارس
مسؤولياتنا الوطنية فيها، ولا أعتقد أن من حقّ أحد أن ينكره علينا.
وعن مهمات السلطة إذا حدث الانسحاب قال: مسؤولية الأجهزة الأمنية هي كمسؤولية
أية سلطة من النواحي الإدارية والأمنية والبلدية وغيرها بما يحقّق مصلحة وأمن
المواطن الفلسطيني. كما أن الأمن الفلسطيني وجد كي يحمي المواطن الفلسطيني وليس
ليعتقل المقاتلين الفلسطينيين. وأوضح أن مكافحة العملاء ستكون من أولويات
الأجهزة الجديدة، مشيراً إلى إعدام بعضهم في فترات سابقة.
وأكّد أبو شباك وجود ضمانات مالية ووعوداً لإعادة بناء الأجهزة الأمنية، موضحاً
أن السلطة الفلسطينية أعطت إشارة البدء لترميم وإصلاح كلّ ما تضرّر خلال
الاعتداءات والاجتياحات الإسرائيلية.
هيكلة بضغوط
ويعتبر الفلسطينيون الإصلاحات في أجهزة الأمن الفلسطينية "غير فعّالة ما دام
القائمون عليها هم ذات الأشخاص".
كما أكّدت الفصائل الفلسطينية ومنها حركتا حماس والجهاد الإسلامي في مناسبات
عدّة أن "إعادة هيكلة للأجهزة الأمنية الفلسطينية، لا يشكّل عملية إصلاح وتغيير
حقيقي في الساحة الفلسطينية، بل جاء بضغوط أميركية وإملاءات إسرائيلية".
مطالبين "أن يكون هدف الهيكلة الجديدة للأجهزة الأمنية هو جعلها في خدمة وحماية
الوطن، وتأكيد احترام القانون، ومحاسبة الفساد والمفسدين".
أدوات لقمع الانتفاضة
وفي موقعها على شبكة الإنترنت أكّدت "كتائب القسام" نقلاً عن مصادرها أن
استعدادات مكثّفة تجري في السلطة الفلسطينية لمرحلة الانسحاب، موضحة أن عناصر
جديدة ستدمج في الأجهزة الجديدة.
وأضافت أن "قيادة الشرطة ومقرّها الجوازات وسط مدينة غزّة استقبلت خمس سيارات
مدرّعة مخصّصة لرش الماء الساخن لقمع المظاهرات، وشحنة كبيرة من مختلف أدوات
القمع ابتداء بالهراوات والدروع بأنواعها مروراً بأنواع الغاز المدمع وبنادقه
وانتهاء بالرصاص المطاطي والبلاستيكي".
وتابعت "قاعدة سعد صايل المركزية لجهاز الأمن الوقائي في أريحا، تستقبل تدريبات
مكثّفة للضباط بإرشاد أميركي. وخلافاً للماضي، فإن التدريبات تجري بشكل مشترك
لضباط من القطاع والضفّة."
وأشارت إلى أن تجهيزات كبيرة وحديثة منها أجهزة متطورة مركّبة على سيارات
مخصّصة للتشويش على أجهزة الاتصال الخلوية لاستعمالها في التشويش على اتصالات
حركات المقاومة ورجالها في حال شن هجوم عليها للقيام باعتقالات أو عمليات قمع.
وأردفت: في إطار التجهيزات التي تقوم الأجهزة الأمنية كشف مؤخراً عن وصول
تجهيزات كبيرة وحديثة تساعد عناصر الأجهزة الأمنية المختلفة في قمع الانتفاضة
منها كرات تستخدم لتنويم المراد اعتقالهم.
الرواتب في البنوك
وتبع التغييرات الهيكلية للأجهزة الأمنية تغييرات مالية، حيث أصبحت رواتب عناصر
هذه الأجهزة تحوّل للبنوك مباشرة، بعد أن كانت تصرف من المكاتب بشكل مباشر. كما
أوقفت الاستقطاعات من رواتب الموظفين لحالات الطوارئ وغيرها. تجدر الإشارة إلى
أن رواتب رجال الأمن بين تبدأ من تسعمائة شيقل (دولار واحد = 4.33 شيقلاً)،
ويضاف 15 شيقلاً فقط لكل ابن جديد و40 شيقلاً للزوجة.
|